لعل واحدا من أكثر الكتب جرأة ومتعة، هو الذي صدر في مصر عام 1964 تحت عنوان (عامان من أوهام الكرسي)، وهو في حقيقته، سيرة ذاتية مفصلة بالأسماء والحوادث لوزير مصري، أمضى على حد قوله، 712 يوما في كرسي الوزارة، على عهد الملك فاروق قبل سقوط الحكومة وتشكيل وزارة جديدة، تم استبعاده عنها، واعتقد بان أهمية هذه السيرة، التي تقرب من المذكرات، تكمن في شجاعة المؤلف وهو يسرد الوقائع بصدق كامل، وكما هي، من دون تسويغ ولا تزويق وكأنه شخص محايد يروي الأحداث كما جرت لا كما يحب ويشتهي، ولهذا كان يكتب عن نجاحاته وإخفاقاته، ومواقف المحيطين به، وكأنه شاهد عيان!

إن (عامان من أوهام الكراسي)، ليس دفاعا عن الذات، بل هو اعتراف، يعد في تقديري، أنموذجا أخلاقيا لأي سياسي ينوي تدوين مذكراته خدمة للتاريخ والحقيقة، يقول الكاتب (بعد اعفائي من المنصب، ذهبت صباح اليوم الثاني الى مقر عملي، كي ابارك للوزير الجديد، وفي الوقت نفسه، أقوم بتسليمه الملفات وبعض المتعلقات، وكانت أولى المفاجآت، هي الطريقة التي استقبلني بها مسؤول الحماية الأمنية الذي اخترته شخصيا لهذه المهمة، فقد أصر على تفتيشي، مع أنني ما زلت الوزير الرسمي، حيث لم تجر مراسيم نقل السلطة إلى الوزير البديل، وحين حاولت إفهامه ذلك، ردّ عليّ بصوت جاف: معالي الوزير.. انا أؤدي عملي، والحكومة التي تعملون معها انتهت ولايتها، اي ان معاليكم من غير ولاية!! ورأيت من العيب مواصلة الحوار مع «ابن الوليه» هذا، فأسلمت نفسي للتفتيش صاغرا) ويواصل سرد تفاصيل ذلك اليوم (ولكن المفاجأة الأغرب، هي التي حصلت مع مدير مكتب الوزير، وهو نفسه مدير مكتبي وانه لأمر مخجل أن أتحدث عن الجنيهات الثلاثة التي أعطيها له شهريا من باب المساعدة، لان أسرته كبيرة ويرعى والدته المريضة، وكان هذا المبلغ يعادل ثلث مرتبه الشهري، وفي كل مرة أقدم له المساعدة يجهش بالبكاء، ويقبل يدي، ويدعو لي بالتوفيق والعافية، الا انه يمنعني الآن من الدخول إلى غرفتي، لان الوزير الجديد وصل قبلي، ولم يتحرج عن مواجهتي بقلة أدب وذوق قائلا: آسف معالي الوزير… لقد حضر معاليكم من دون موعد مسبق..!! فأي وصف يليق بهذا القرد..؟!) 

على هذه الطريقة العابقة بروح السخرية والمرارة تمضي المذكرات، وربما كان الموقف الذي أورده المؤلف مع زوجه، هو أطرف ما تضمنه الكتاب، حيث يقول (كانت السيدة حرمنا، لا تكتفي ان يتولى السفرجي إعداد الفطور الصباحي، وإنما تتولى بجثتها الضخمة وشحمها ولحمها الذي هو من خيراتي، مهمة الإشراف على المائدة والقيام على خدمتي، وتناول الطعام معي، ولكنها بعد مغادرتي الوزارة، لم تعد تغادر السرير، وكأنها لم تذق طعم النوم منذ خمسين سنة، وحين عاتبتها على ذلك، ردت علي بلهجة شعبية مبتذلة: 

معليش يخوية، انت دي الوقت من غير صلاحية، يعني زيا الدوا الاكسباير، ولما حضرتك ترجع وزير، ح اخدمك بعنيّه)!! 

ويختم المؤلف كتابه بكلمات تتفجر حزنا (لقد اكتشفت ان الآخرين من حاشيتك واقرب أتباعك، يرسمون لك صورة وردية عن منجزات وزارتك، تجعلك تشعر براحة الضمير، وانك أفضل وزير في تاريخ البشرية، بينما المواطنون يتمنون لك الموت العاجل)!! 

حين انتهيت من قراءة هذه المذكرات الممتعة، تمنيت على وزراء الكرة الأرضية عامة، ووزراء جنوب غرب آسيا خاصة، أن لا ينشغلوا بعد إحالتهم على التقاعد، بجوازات سفرهم ومقاولاتهم ومشاريعهم التجارية.. وان يستغلوا فرصة جلوسهم في البيت، ويكتبوا مذكراتهم بشجاعة هذا الوزير، قبل أن يكتب (عليهم) الآخرون!!

التعليقات معطلة