منذ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي, والعالم منشغل بهذا الحدث المفاجئ الى حد الدهشة، لأن شعوب المنطقة التي قدمت صورة مشرقة للنضال مشفوعة بآلاف الشهداء، لم تستطع في يوم من الأيام (إسقاط) نظام من أنظمتها، فقد كانت هذه المهمة على الدوام من اختصاص العساكر و انقلاباتهم، و يبدو إن ربيع العرب في هذه المرة، كان من الغرابة و القوة بحيث سرق الأضواء من بلدان الثورة و التحرر في أميركا اللاتينية، لأن أسلوب تنفيذه إعتمد على بُعْد ٍ حكائي إسطوري (مواطن بسيط يحرق نفسه) فأذا الحرائق بسرعة البرق تنشب في جسد الأنظمة العربية!

ربما كانت بلاد الضاد أكثر إنشغالا ً و إهتماما ً بالحدث الذي عبر من تونس الى مصر وليبيا و اليمن، وصولا ً الى أربعة أخماس الخارطة العربية، من دون أن يعير بالاً لحرس الحدود و نقاط السيطرة و التفتيش،  لأن (الثورة) هي الكائن الوحيد الذي يعبر بطوله و عرضه من أي مكان الى أي مكان، و لا يجرؤ أحد أن يمنعه أو يطلب منه جواز سفر، أو أوراقا ً ثبوتية، و أعتقد جازما ً إن الأنظمة في هذا (الوطن الكبير) الذي لم يعرف يوما ً معنى (التداول السلمي للسلطة)، و المبتلى بالوارثين و الموروثين، كانت الخائف الوحيد بأمتياز من الشرارة الجوّالة التي لامست أخمص قدميها، و لن يطول الوقت حتى تطال هامة رأسها، و لهذا (بادرت) مكرهة في دمشق و المنامة و الرياض و مسقط و عمان و الكويت، و في المغرب و الجزائر و… الى التذلل لشعوبها، و فتح خزائن الحرمان الديمقراطي و المعيشي، و بوابات الإصلاح على مصاريعها (خُذ ْ أيها المواطن الكريم ما تريد و أطلب ما تشتهي ) فنحن رهن الإشارة، و لكن المواطن الذي أتعبته مواعيد عرقوب، فطن الى اللعبة، و الى اللهجة الناعمة التي هبطت فجأة على لسان حكامه، و أعلن أنه لا يريد شيئا ً من متاع الدنيا إلا رأس الأنظمة الموبوءة بالخداع و الظلم و الفساد !

و كنت اراقب عبر الوقائع الميدانية و عولمة الفضائيات و الأنترنيت و وسائل الأتصال الحديثة التي تمردت على سلطة المنع و الحجب، و خرجت عن نطاق التغطية البوليسية، ما يجري من عروض لا تصدق و من مشاهد غريبة، ربما كان في مقدمتها هشاشة الأنظمة المتجبرة التي كنا ننظر إليها بعين القوة و النفوذ و الهيمنة، فإذا بها منخورة مثل جذع أكلته دودة الأرض، واكتشفتُ إن أنظمتنا العربية لا تجدي معها إلا (العين الحمراء)  التي تجعلها تتسابق لتقديم الحرية و الخبز و الوظيفة و الخدمات على طبق من ذهب، و كأنها (هبات) من بيت أهلها أو (الذين خلفوها)، و ليست (حقوقا ً) طبيعية للناس، و قد فاتها إن هباتها جاءت متأخرة و بعد فوات الأوان !! 

على أن أعظم اكتشافاتي و أخطرها و ألعنها، تمثلت في حجم العساكر التي تمتلكها أنظمتنا الوراثية، فإذا تظاهر مئة مواطن، تصدى لهم ألف عسكري، و إذا تظاهر ألف مواطن تصدى لهم عشرة آلاف، و إذا تظاهر عشرة آلاف تصدى لهم مئة الف عدا كتيبة الدبابات و طيران الجيش و لواء الطوارئ !! لا أحد يصدق إن العساكر لدينا أكثر من الشعوب، لعلهم جعلوا منا شعوبا ً عسكرية،  و قد سالت نفسي غير مرة،إذا كانت الأنظمة العربية تمتلك هذا العدد الهائل من القوات العسكرية و الأمنية و المخابراتية المزودة بالهراوات و الدونكيات و العصي الكهربائية و خراطيم الماء المغلي و الشتائم المقذعة و القنابل الصوتية و العضلات و الغاز المسيل للدموع و الأسلاك الشائكة و المسدسات و البنادق الأوتوماتيكية و الأطلاقات المطاطية و الذخيرة الحية و المدافع و كاميرات المراقبة و السونارات و أجهزة رصد المتظاهرين و الكلاب البوليسية و المخبرين و المعتقلات العلنية و السجون السرية و…. فلماذا تعاني بلداننا  من كثرة العملاء و الجواسيس و الخروقات الأمنية ؟!

التعليقات معطلة