لم يمضِ على نبؤات رئيس هيئة النزاهة المستقيل القاضي رحيم العكيلي الوقت الكثير، حتّى تحقّقت. الرجلُ، يعلم بما ينتجه “الفاشلون”، هكذا وصف العكيلي مرَّة الحكومة، وهذا ما دفعه إلى تقديم استقالته بعد أن عجز عن دحض الفساد من المؤسسة الحكومية.
تنبأ العكيلي أن يُحارَب بعد ان استقال من منصبه، وتوقَّع أن تلفَّق له تهم من الأحزاب السياسية، وهذا ما حصل أيضاً، إلا أنَّه، وقف أمام كلّ القضايا الكيدية التي رُفعت ضدّه، ومثل أمام القضاء، وأثبت كيدية التهم الموجّهة له، من دون جعجعة إعلامية، ومن دون رفع شعار التظلَّم، ولم يمل من التصرفات الطفولية التي قام بها بعض السياسيين.
العكيلي بقي صامداً في منصبه من قبل. لم يغيَّر موقفه، خاصَّة وأن منصبه من كان سيغنيه لو استغلّه لصالحه. لكنه نأى بنفسهِ عن كل الأموال. ونأى بنفسه عن الدخول في سيرك الفساد الذي أخذ يتوسَّع يوماً بعد آخر. وأخذ مهرجوه يزدادون زينة وتقافزاً. والحبل الذي كان مخيفاً أيام كان العكيلي في منصبه، بدا الآن حبلاً سهلاً وطيَّعاً. يعبره الفاسد دون أيّة حسابات لسقطة مدويَّة. الدويُّ رحل مع العكيلي.
وفور تداول مجلس النوّاب، بشكل شفاهي، عودة العكيلي إلى منصبه، شنَّت شلَّة من النواب حملة إعلامية وقضائية على العكيلي. أصبح العكيلي بعثياً ويجب اجتثاثه. وفاسداً في منصبه ويجب مقاضاته. وأهدر المال العام. وأعطى مجالاً واسعاً للمفسدين ليسرقوا أموال الشعب. العكيلي بين ليلة وضحاها صار المُفسد الوحيد في العراق. وسيكون العراق بمأمن في حال لم يعد إلى منصبه. وبغية الضغط على القاضي النزيه أكثر، طالب مكتب رئاسة الوزراء بإخلاء المنزل الذي يقطنه العكيلي خلال 24 ساعة، على الرغم من صدور القرار قبل 20 يوما من تسليمه بيد القاضي. هكذا اضطر إلى أن يخلي المنزل، لكنه يشكو من عدم تفريغ جميع حاجياته وأثاثه منه. هل هي حرب معلنة على النزاهة من قبل الحكومة؟.
بعد ما تقدَّم، سيكون الجواب قطعاً: نعم. النزيه ليست له مكانة في العراق الجديد، لم تظهر أيَّة قضية على القاضي رحيم العكيلي، لا في زمن النظام السابق، ولا في “العراق الجديد”. الرجل كان بعيداً عن أية قضيّة فساد. ومهنياً في المناصب التي حلَّ بها. هكذا يذكر كل من يعمل في هيئة النزاهة. ولهذا السبب فهو مكروه من قبل الكثير من العاملين معه بسبب تشدَّده. لكن الحكومة لم تكتفِ “بتهجير” العكيلي من بيته، فقد سحبت أفراد حمايته منه، وأخذت القضيَّة منحى خطيراً، الحكومة تعمل على اغتيال كل نزيه في مؤسساتها. ليس هناك تفسير آخر للأمر. ثمَّة نكتة رواها صديقي “الحكومة تسحب المنزل وثم البيت وثم أقسام السلاح”. وأقسام السلاح هنا، لا بدَّ أن تكون بوجه الشرفاء.
شكراً لبناء العراق بهذا الشكل.