جاستن فوكس
منذ عشرين عاماً، جلست الصحفية الهولندية «شيلا سيتالسينج» في مكتب الإحصائيات القومي مع أحد الاختصاصيين في علم السكان، للحديث حول الكيفية التي ستؤدي بها شيخوخة المجتمع الهولندي إلى تغيير البلاد. وتنبأ ذلك الاختصاصي في ذلك الوقت بأن الشيخوخة «ستغير المناخ السائد والعقلية التي يفكر بها المجتمع في هولندا».
وفي تقريرها المنشور حول هذا الموضوع في صحيفة «فولكسكرانت» أوضح ذلك الاختصاصي ما يعنيه بقوله «الأشياء التي تقترن بالشباب عادة مثل المجازفة، وانتهاز الفرص، والجرأة في عمل الأشياء، والغوص في الأعماق من دون تفكير، ومن دون أدوات غوص، وتبني الأشياء الغريبة، والجديدة ستغدو- نتيجة للشيخوخة- أقل انتشاراً».
وأضاف «سيتحدد المناخ العام بناء على مشاغل كبار السن مثل: تجنب الخطر، وتوخي الحذر، والمحافظة على الممتلكات، والارتياب في الغرباء، وتجنب الصخب والضجيج، مع الشكوى الدائمة منهما».
ما قاله ذلك الاختصاصي، يوفر فرضية مثيرة للاهتمام، وهي فرضية اعتقد أن الوقت الحالي هو أنسب وقت لمناقشتها على جانبي الأطلسي، فالناخبون «الجمهوريون» في الانتخابات الرئاسية الأميركية التمهيدية، بل والناخبون بشكل عام في الحقيقة، يميلون في الوقت الراهن، لأن يكونوا من كبار السن في معظم الأحيان، وهو ما يفسر تنامي مشاعر الخوف الشديد من الأجانب والارتياب فيهم، التي تخللت معظم الحملات الانتخابية حتى الآن.
وهنا قد يخطر على الذهن تساؤل: هل يمكن أن تكون شيخوخة السكان الأميركيين، هي السبب الكامن وراء كافة أشكال الظواهر الأخرى السائدة حالياً، في المجتمع الأميركي، مثل الحملات المناهضة للنمو السكاني في المدن والضواحي الباهظة الأسعار، وتضاؤل الدينامية التجارية وروح ريادة الأعمال، التي باتت سمة مميزة للبلاد منذ عام 2000 على وجه التقريب؟
ربما يكون الأمر كذلك! ولكن هناك ظواهر أخرى يجب ألا تغيب عن ذهننا في معرض تقديم إجابة محددة على ذلك التساؤل منها على سبيل المثال، أنه على الرغم من أن المجتمع الهولندي قد ازداد شيخوخة على نحو أسرع من المجتمع الأميركي- كما تشير الإحصائيات – إلا أن كبار السن الهولنديين، مازالوا يركبون الدراجات، ويتنقلون بها في كل مكان من دون ارتداء خوذات، ويتركون أطفالهم يتجولون بحرية من دون رقابة أو إشراف، ويرتحلون إلى مختلف مناطق العالم من دون خوف، وتبلغ نسبة من يعملون منهم في مشروعاتهم الخاصة ضعف مثيلتها في الولايات المتحدة، وهي ظواهر تثبت في مجملها، أن العمر ليس هو العامل الوحيد الذي يؤثر في مواقف البشر، تجاه المجازفة والإقبال على المخاطر.
أما الأدلة العلمية المتعلقة بالشيخوخة وتجنب المخاطر فهي متفاوتة، وفيما يلي تلخيص لمقالة نشرها «دان اريلي» وستة آخرون عام 2012 حول الموضوع:«هناك دراسة توصلت إلى أن الأشخاص الأكبر سناً يظهرون تجنباً للمخاطر في وثيقة التأمين على الحياة الخاصة بهم، يفوق ذلك الذي يظهره الأشخاص الأقل سناً. وعلى المنوال نفسه، هناك دراسات أخرى توصلت إلى أن المستثمرين الأكبر سناً يميلون لامتلاكهم أسهماً وسندات أقل مخاطرة، ما يميل لامتلاكه المستثمرون الأصغر سناً..مع ذلك، هناك دراسات أخرى تظهر أنه عندما يكون الموقف التقاعدي للأشخاص مؤمناً، فإن الأشخاص الأكبر سناً يميلون لاستثمار نسبة أكبر من أموالهم في أصول خطرة».
وهناك دراسات تزعم أنها تقيس نسبة تجنب المخاطر من قبل الدول المختلفة وجدت أن الهولنديين يعتبرون من ضمن أقل شعوب الأرض تجنباً للمخاطر، في حين أن معدل تجنب الخطر في الولايات المتحدة كان ضمن الجانب الأعلى.
لست متأكداً بشأن المدى الذي يمكن أن أذهب إليه في الاعتماد على نتائج هذه الدراسات، ولكن يبدو أن هناك العديد من المؤشرات على أن المواطنين الأميركيين الذين اشتهر عنهم عدم تحمل المسؤولية والميل للإقدام على المجازفة، باتوا الآن أقل رغبة في القفز في المجهول، مقارنة بما كانوا عليه من قبل. هل يمكننا أن ننسب كل ذلك إلى شيخوخة السكان؟ على الأرجح أن الإجابة ستكون بالنفي.