علي شايع
قبل سنوات أتحفني صديق بحكمة دينية عميقة، وأنا أعزيه بوفاة والدته، حيث قال: «الحمد لله على نعمة الموت!». وليبدّد استغرابي أردف قائلاً: «تخيل أن تلك النعمة العادلة لم تكن موجودة، وأن المفسدين من أغنياء الأزمنة الغابرة استطاعوا أن يفتدوا أنفسهم ببعض المال، ليشتروا الأبدية، فكم ذا سنرى ونعايش من حثالات الدهور، بل كم سنكون عبيداً لهم، يتاجرون بالمزيد من أرواحنا طمعاً بما بعد الأبدية؟!».. قلت بكل أسى اللحظة: بالفعل يا لها من أبدية موحشة، بل ستصبح كما يصفها الشاعر زاهر الجيزاني في نص قديم «كومة أخطاء هذه الأبدية».
تلك الكلمات قالها الصديق وهو يواجه محنة مالية بسبب مفسدين، ومطففين اعتبرهم وباء وكارثة، وبرغم رحيل والدته، وفاجعته بها، لكن مقدار حزنه خفّ لمجرد أن وجد في حتمية الفناء حلاً ما، يفرضه تقادم الأزمنة، وهو يضع الدلالة بوضوح لمن يعتبر ويسترشد بالحكمة.
استذكرت كلمات الصديق بأمنية الخلاص من المفسدين كما لو أنهم الوباء، وأنا أطالع دراسة أكاديمية بريطانية تحذر من وباء عالمي خطير، إذ ترى ان انتشار ظواهر الفساد المالي وسلوكياته «المعدية» عالمياً، لا يحدّ بمكان حدوثه، فبحسب الباحثين المعنيين أن سلوك السائحين أو القادمين من بلدان تعاني من آفة الفساد، ستكون له تأثيرات كبيرة بينّة حال اتصالهم أو تواصلهم من خلال السياحة أو علاقات العمل أو الهجرة، على صدق ونزاهة مواطني بلدان تخلو من الفساد. الدراسة التي نشرتها مجلة (nature) البريطانية بينت في عددها الأخير أن الشعوب في البلدان الديمقراطية تصبح وفقاً لما تمنحه الحكومات من ثقة، أكثر رغبة بتطبيق القوانين، وأكدت أن صلاح المجتمعات نتاج صلاح الأنظمة المالية والأنظمة السياسية التي حكمتها وتحكمها، ومدى نفوذ الطبقات الغنية فيها، حيث أظهرت أن مواطني الدولة المحكومة والمبتلاة بالفاسد، هم الأكثر ميلاً للخديعة والغش وخرق القوانين، ومثل هذه الظواهر تترك آثاراً مستقبلية خارج محيطها.
بالتأكيد لا يمكن اعتبار تلك الدراسات الأكاديمية التي تعدّها كبريات المؤسسات الثقافية في أوروبا ترفاً أو موضوعاً عابراً قصد الإثارة الوقتية، فمن يتأمل مشهد الخراب والفساد الخفي، وتفشي الرشوة في بعض المجتمعات سيدرك ما اشارت اليه تلك الدراسات، وهي تبحث في تفاصيل مستقبلية ومخاوف من وصول هذه العدوى وعبورها بشكل أو آخر الى بلدانهم الآمنة في بحبوحة الشفافية، ورسوخ الدولة في قوانين تلزم الحكومات بأن تكون مصدر قوة للإنسان لا مصدراً لخراب حياته.
لعلّ ظاهرة الفساد أو السعي الحثيث الباطل لجمع الأموال سلوكاً إنسانياً تحدّده المصلحة الذاتية، ويمكن أن يرتبط بعوامل كثيرة، وهو نتاج تراكم طويل، ولا يمكن ابتكار حلول آنية له، لكن جرس الإنذار الذي أطلقته تلك الدراسة، ربما يكون مؤشراً على وجود اهتمام عالمي سيشكّل ضغطاً دولياً في زمن ما على بعض البلدان، يوجب مساعدتها وتمكينها بشكل فاعل من أجل فرض سلطتها بالضد من الفساد.