ريتشارد هيدريان
أصدرت محكمة التحكيم الدائمة المشكلة بمقتضى معاهدة قانون البحار، أخيراً، حكماً نهائياً بشأن شكوى الفلبين المقدمة ضد توسيع الصين حضورها العسكري والمدني على امتداد أهم ممر مائي عالمي، وهو بحر الصين الجنوبي، وذلك لصالح الفلبين. وبحسب ما أقوله في آخر كتبي بعنوان «ساحة القتال الجديدة في آسيا» فإن الصدام المقبل بين القوى العظمى سينشب في هذا الطريق البحري ذي الأهمية الاستراتيجية الكبيرة.
دعنا نضع الأمور في نصابها. فخلال السنتين الماضيتين استصلحت الصين 1,295 هكتارا من الأراضي في البحر لبناء جزر اصطناعية عملاقة على امتداد سلسلة جزر سبراتلي، وأوجدت شبكة مترامية الأطراف من المؤسسات العسكرية والمدنية على امتداد المياه المتنازع عليها. وأقدمت الصين بمفردها على استصلاح ما يزيد على أربعة وعشرين ضعف ما استصلحته الدول الأخرى مجتمعة في نصف القرن الماضي. ولا يمكن مقارنة شيء بجزر الصين المستقبلية والمتطورة للغاية التي بنيت بشكل مصطنع في أعالي البحار.وتعتبر الصين أكثر هيمنة على مناطق أخرى من المياه المتنازع عليها. فسيطرتها على سلسلة جزر باراسيل تعتبر أمراً واقعاً. وبينما سلسلة جزر براتاس موجودة تحت سيطرة ما تعتبره بكين مقاطعة متمردة أي تايوان، التي يرجح دمجها مع الصين الكبرى.وهناك عوامل عديدة تؤكد إصرار بكين على السيطرة على ما تصفه بـ «التراب الوطني الأزرق». ومنها الحجم الهائل والتطور التقني في أنشطة الصين الاستصلاحية. والنشر المتزايد للعناصر التي تجمع بين كونها صيادين وقوات ميليشيا، وتتمركز الرادارات العسكرية المتطورة مثل الأجهزة ذات التردد العالي وصولا إلى منظومات صواريخ الدفاع الجوي؛ فضلا عن زيادة خفر السواحل الصيني، والغواصات في المنطقة.وقريباً ستكون الصين في موضع يؤسس لإنشاء «منطقة حظر» في المنطقة هناك الأمر الذي يهدد بالخطر حرية الطيران والملاحة البحرية بالنسبة للقوات العسكرية الإقليمية والخارجية.
وبعد أربعة قرون من نشر المفكر البريطاني جون سيلدن كتاب «البحر المقفل» الذي يدافع عن السيطرة السيادية الحصرية على المياه الدولية، باتت بكين تقترب أكثر من تحويل بحر الصين الجنوبي، الذي يتعامل مع ما يصل إلى ثلث التجارة البحرية العالمية، وأربعة أضعاف الطاقة المنقولة من قناة السويس وأكثر من عشرة مخزونات مصائد الأسماك عالميا، وبعض ما يمكن تسميته بالبحيرة الصينية الافتراضية.وكتب سيلدن عام 1635 في كتاب «البحر المغلق» يقول: «البحر بموجب قانون الطبيعة أو الأمم ليس شائعا بالنسبة لكل البشر، ولكنه يمكن أن يكون مجالاً خاصاً أو عقاراً مثل الأرض».وحاولت الصين من الناحية الإجرائية تخريب قضية الفلبين بالإشارة إلى فقرات الاستثناء بمقتضى معاهدة قانون البحار، والتشكيك في كفاءة محكمة التحكيم الدائمة المتعلقة بما وصفته بكين النزاعات ذات الصلة بالسيادة في الأساس. وجادلت بأن التحكيم الإجباري سابق لأوانه لأن جميع سبل التوفيق المفترضة لم تستنفد بعد.الفلبين أعادت طرح شكواها باعتبارها مسألة تتعلق بحقوق السيادة والمقتضيات البحرية. وفي أكتوبر الماضي، حكمت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بالإجماع لصالح ممارسة الولاية القضائية في قضية الفلبين، وبالتالي رفض جهود بكين الرامية إلى تخريب جهود مانيلا القانونية.وعلى الرغم من أن رفض مشاركة الصين في الإجراءات فإن قضاة التحكيم مضوا قدما بالقضية، ولكنهم أتاحوا لبكين انتهاز الفرصة لطرح قضيتها بشكل رسمي أو من خلال قنوات غير رسمية مثل أوراق إيضاح الموقف وبيانات والمسؤولين الصينيين.وباختصار فإن الفلبين كانت على حق باللجوء إلى التحكيم الملزم لأن المفاوضات مع الصين لم تفض إلى شيء. ومع ذلك لم تمارس المحكمة الولاية على جميع حجج الفلبين ضد الصين، واختارت تغطية سبع نفاط من من خمس عشرة نقطة ولكن النقاط الأخرى تركت للمزيد من الإيضاح أو المزيد من إعمال النظر. وحتى الآن فإن المحكمة لم تمارس سلطتها على تحديد طبيعة السمات المتنازع عليها مثل ضحضاح سكاربور ومياه سكند ثوماس والمناورات الخشنة ضد السفن الفلبينية بالقرب من سكاربورو.وعلى الرغم من أن الصين قاطعت رسميا إجراءات التحكيم في لاهاي إلا أنها جادلت بقوة ضد التحكيم الإجباري فإن محكمة التحكيم أتاحت للفلبين فرصة غير مسبوقة للاستفادة من معاهدة قانون البحار كأساس لحسم النزاعات البحرية في واحد من الخطوط البحرية الأكثر أهمية في العالم من الاتصالات، والصين لا يمكنها الهرب من العواقب المترتبة على ذلك.