محمد شريف أبو ميسم 
في العام 2013 تقدم أحد الأصدقاء بشكوى الى مكتب المفتش العام في وزارة المالية التي يعمل في احدى مؤسساتها بهدف رفع الحيف الناجم عن عدم منحه الدرجة الوظيفية التي يستحقها على الرغم من مرور أكثر من المدة المحددة وهو في الدرجة التي يقبع فيها ، وبعد مخاطبات تخللتها التأكيدات وفق منهج كتابنا وكتابكم ، كان رد المؤسسة التي يعمل بها في العام 2014 انه سيتم ترفيعه بعد اجتيازه لدورة تأهيل الادارات الوسطى مع انه يعمل بدرجة فنية وليست ادارية!
ومع ذلك تم اجتياز الدورة ولكن صاحبنا مازال حتى اللحظة قابعا في مكانه دون ترفيع والحجة هذه المرة «ان البنك والصندوق الدوليين يشترطان تقليل الدرجات الوظيفية في الجهاز التنفيذي للدولة العراقية»، ويكاد صاحبنا أن يجن وما من أحد يسمع شكواه كلما سمع بخبر حصول هذا أو ذاك على ذات الدرجة ممن جاؤوا للوظيفة من بعده بسنوات وفق اسلوب الوصايا والهدايا والعطايا، فيما يصر وهو قابع في درجته منذ نحو عشر سنوات على انتزاع حقه عبر منهج  العدالة والحقوق ووفق مبدا أن لا يصح الا الصحيح في وقت يهيمن فيه المفسدون على مفاصل المؤسسة التي يعمل بها عبر تشكيلات من العوائل الادارية.
تذكرت هذه الحالة وأنا أراجع اشتراطات الدائنين على العراق التي يتقدمها شرط ايقاف التعيينات في المؤسسات الحكومية لثلاث سنوات منذ العام 2016 والذي طبق بشدة على استحقاقات البسطاء من الموظفين فيما تجيّر الدرجات الوظيفية الشاغرة جراء خروج اعداد كبيرة من الموظفين على التقاعد لصالح الطبقة الطفيلية التي تسلقت على أكتاف هؤلاء البسطاء الذين يدفعون الثمن حتى في اشتراطات الدول الدائنة فيما ينتفع المفسدون حتى من المأساة.
واذا ما سحبنا الأمر على الاشتراطات الأخرى نجد ان شرط اعادة هيكلة الشركات العامة مثلا يصب في خدمة المفسدين الذين شملهم قانون العفو العام ويلحق الضرر بفئة العاملين الذين تضرروا جراء القصدية في جعل هذه الشركات خاسرة على طول الخط، فضلا عن اعطاء الفرصة للرساميل المفسدة لادارة شؤون البلاد الاقتصادية واعدادها لتكون ذيلا تابعا لرساميل الشركات التي تحكم العالم وبحسب التبعية التي يفرضها ثالوث العولمة صندوقا النقد والبنك الدوليان ومنظمة التجارة «العالمية» اذ تنبري حينها سلطة الفساد بحلة ليبرالية السوق وهي تضع السراق القدماء في موضع الزعامات والقيادات المدافعة عن حرية التملك والديموقراطية فيما سيقبع صاحبنا وأمثاله في خانة الجماهير التي تتمتع بحق التظاهر والمطالبة باطلاق سراح أصحاب الرأي ليس أكثر!.. وفي ذات السياق كان شرط تحسين البيئة التنافسية للبنوك الحكومية مثلا مرهونا بالاصلاح واعادة هيكلة هذه المؤسسات التي مازالت رهنا للمتنفذين وللعوائل الادارية التي عمدوا على تأسيسها ومن خلالها تشكلت اقطاعيات تدير هذه المؤسسات الحكومية التي دفعت بنسب هائلة من القروض سجلت حاليا في خانة الميؤوس من استردادها على اعتبار ان المشاريع الممولة في المناطق التي شهدت الحرب مع داعش قد تعرضت للخراب والدمار بفعل العمليات العسكرية وهي في الغالب مشاريع وهمية، أما بشأن تقليل الانفاق العام فقد كان المواطن البسيط هو الضحية الاكبر لتقليل هذا الانفاق على المشاريع الاستثمارية أو فيما يخص زيادة الضرائب والاستقطاعات من رواتب الموظفين، ويأتي شرط عمليات اتخاذ القرار لادارة الاستثمار الحكومي بالتنسيق مع البنك الدولي من خلال وزارة التخطيط ليؤكد ان مستقبل الاقتصاد الوطني ستقوده هذه المنظمات بضمان السيادة للرساميل المحلية بوصفها حلقات الوصل التي ستحركها الرساميل الاجنبية بوصفها مستثمرة وقائدة لعملية التنمية من جانب ومسؤولة عن صنع القرار السياسي من الحديقة الخلفية للفعاليات الاقتصادية من جانب آخر.. واللافت في هذه الشروط انها أفضت الى تأسيس قسم لادارة الدين العام في وزارة المالية ، ما يؤكد أننا ازاء برنامج معد مسبقا لتكبيل الأجيال المقبلة بالدين الخارجي جراء سوء الادارة المالية التي تتعرض لها البلاد منذ العام 2003 فضلا عن آثار المديونية الذي سيمتد للاجيال المقبلة، اذ سيصادر منها حق القرار والاختيار، وكل ذلك جراء سوء الادارة والمكاسب الفئوية لصالح التشكيلة السياسية التي تصدرت الواقع الحالي .
وفي ذات السياق تعد العدة لتحضير الانسان العراقي لنمط معاشي يغادر فيه ثقافة الاتكاء على الدولة الأم لتحل محلها ثقافة المسؤولية المباشرة من خلال شروط رفع تعرفة الخدمات وفي مقدمتها خدمة الكهرباء وخدمات البنية التحتية والخدمات الصحية على الرغم من تدني نوعياتها وتردي واقعها، وهي مرحلة سيشهد فيها المواطن ما يشبه حالة الفطام  من بقايا البطاقة التموينية والخدمات التربوية والصحية المجانية بشكل تدريجي ليكون الانسان مسؤولا عن تمويل هذه الخدمات الرديئة عبر رفع جباتها ورفع الجباية الضريبية وسيترك أمر تحسين نوعية هذه الخدمات لمطالبات الجماهير التي ستقودها منظمات المجتمع المدني المدعومة من الرساميل التي تقود الاقتصاد وفق منهج (مواطنة الشركات) الذي يعني ان للشركات الأجنبية حق المواطنة شأنها شأن ذوي النفوذ من العراقيين وعلى المواطن المتضرر اللجوء الى القضاء.  

التعليقات معطلة