التصنيف: الرأي

  • جيل جاكيه مهمة خاصة جداً

    حين قتل جيل جاكيه الصحفي في القناة الثانية الفرنسية في مدينة حمص السورية، أدركت باريس أن ثمة فضيحة في الأفق، ولم يكن أمامها سوى الإيغال في الضغط على دمشق واتهام القوات الأمنية السورية بمقتل جاكيه، خاصة وأن دمشق، المنهمكة بمحاولة الدفاع عن نفسها إزاء الزخم الإعلامي العربي والدولي الذي يتهمها بقتل الشعب وانتهاكات حقوق الإنسان، لم تجد فسحة كافية من الوقت لتمحيص مقتل جاكيه، واكتفت بدور الدفاع من جديد.

    هل كان جاكيه في مهمة صحفية لبرنامج مهمة خاصة أم كان في مهمة أخرى يمكن وصفها بـ»مهمة خاصة جداً».

    قبل الإجابة على هذا السؤال الذي يبدو تأويليّاً في أوّل الأمر، لنرى الأمر من بدايته.

    في مطلع كانون الأوّل الماضي تلقت الحكومة السورية رسالة رسمية من مؤسسة التلفزيون الرسمي الفرنسي طلبت فيها رئيسة تحرير البرنامج الذي يعمل لصالحه جاكيه «مهمة خاصة» وهو البرنامج السياسي الأكثر مشاهدة في فرنسا، طلبت تأشيرة دخول لجيل جاكيه إلى سوريا، مدعيّة أنها تريد التأكد من الرواية السورية للأحداث والتي تقول «أن الجنود السوريين هم ضحية كمائن واشتباكات مع المجموعات المسلحة التي تعبث بالبلاد». وتضيف في رسالتها أنها تطلب أن يستطيع جاكيه متابعة يوميات جنود الفرقة الرابعة المدرعة السورية والتي يقودها شقيق الرئيس السوري ماهر الأسد واللواء المدرع الثامن عشر الذي يقوده الجنرال وجيه محمود. وقد فوجئت السلطات السورية بهذه الرسالة ولم ترد عليها.

    إلا أن جيل جاكيه تمكن من دخول الأراضي السورية بطريقة أخرى. فقد طلب عن طريق راهبة من طائفة الروم الكاثوليك هي الأم إنياس مريم دولا كروا التي تحظى باحترام السلطات السورية، أن تنظم أوّل وفد لصحفيين غربيين منذ بداية الأزمة، وقد نجحت بتنظيم زيارة الوفد الذي كان ضمنه جاكيه وفريه التلفزيوني.

    الروايتان الفرنسية والسورية عن مقتل جاكيه مختلفتان، بل ومتناقضتان، ولا تعنيني في حقيقة الأمر أي من الروايتين، ولكن ما يعنيني حقّاً، هو رواية أخرى محايدة، لكنها تكشف عن فضيحة مدويّة لو حصلت في غير منطقتنا لأقامت الدنيا دون أن تقعدها.

    الحقيقة–الفضيحة، كشفها فريق صحفي روسي قدم عرضاً مختلفاً تماماً للروايتين الفرنسية والسورية، فحسب الفريق الروسي فإن جاكيه قاد تحت غطاء صحفي عملية لصالح الاستخبارات العسكرية الفرنسية باءت بالفشل. وأن الاتهام الفرنسي ليس سوى عملية تغطية على مسؤولية فرنسا في التحركات الهادفة لضرب استقرار سوريا.

    يقول بوريسف رئيس الفريق الصحفي الروسي، إن نشر صور مخطوفين إيرانيين في سوريا بصحيفة فرنسية، كان يشي أن ثمة علاقة بين الخاطفين والاستخبارات الفرنسية، وان هذا الأمر مدعاة للشك أن تكون مهمة جيل جاكيه الذي أصر على أن لا ترافقه أي حماية في حمص قد يكون مكلفاً بمهمة ما تتعلق بالمخطوفين الإيرانيين.

    كما يمكن فهم الحالة العصبية للسفير الفرنسي في دمشق في ظرف كهذا حيث يمكن أن يكون جيل جاكيه قد قتل على يد المسلحين في حمص وأن يتأثر التحالف التركي – الفرنسي أو أن نصل إلى حرب أطلسية على سوريا.

    والسفير الفرنسي في دمشق الذي لم يكن لديه الوقت الكافي لإعادة ترتيب الأحداث وجمعها قام بمحاولة منع السوريين من فعل ذلك. وبعكس الأعراف الدولية رفض تشريح الجثة، لكن السوريين فعلوا ما يمكن فعله.

    بالتأكيد مقتل جاكيه كارثة للإيرانيين والسوريين أوّلاً لأنه قتل على الأراضي السورية وثانياً لأن مقتله حرمهم من فرصة ثمينة لمعرفة مكان المخطوفين والخاطفين.

    هنا أعيد التساؤل: هل كان جاكيه في مهمة صحفية، أم كان في «مهمة خاصة جدا»؟

  • صمت الحملان

    مدن تحت المدن، وشوارع خلف الشوارع، وبيوتات لا تحمل من معنى بيت، سوى الاسم. أطفال يحملون عبء البراءة على ظهورهم الغضة، لعبتهم الطين، وملاعبهم مياه آسنة مسورة بالبرد القارس أو القيض المرسل من شمس لا ترحم. ورجال جل همهم رغيف خبز يتسربل من بين الأنامل المخشوشنة بفعل ملامسة الحجر القاسي، وقلق من اليوم والغد الذي لا يحمل سوى ملامح الجوع والعوز والتشريد. ونساء لا يعرفن من ترف الأنوثة سوى لهب نار التنور وأدخنة المواقد التي تلوك ما يشبه الطعام.

    هذا هو المشهد المتكرر في المدن التي تحت المدن، مدن من الصفيح وأخرى من الطين واللبن، سقوفها من قصب البردي أو من حطام أثاث المرفهين، وسكانها لا يعرفون ما يجري حولهم لأنهم مشغولون بتدبير رغيف الخبز.

    إنهم المهمّشون في الأرض.

    في كل مدن العالم، المتطور منها والمتخلف وما بينهما، لا أحد يحسب لهم حساباً، إلا عندما يحين وقت الانتخابات، فهم في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط، متساوون مع الجميع، لأنهم صوت، أو لأكون أكثر دقّة، مجرد رقم، لكنه مهم في ترجيح كفة مرشح على حساب كفة آخر، ولذا يتذكرهم السياسيون وسماسرة الدعايات الانتخابية، يغدقون عليهم بالوعود بغد مشرق يحول بيوتاتهم المتهاوية إلى قصور، ويحتضن أطفالهم في روضات ومدارس متميزة، ويوفر لهم بدلات أنيقة تمهيداً لزجِّهم بوظائف تليق بهم كمواطنين من الدرجة الأولى، ولنسائهم وعود بعطور الشانيل وفساتين ديور.

    ولأن سماسرة الانتخابات في مدننا أكثر واقعية من أترابهم في مدن العالم المتطور والمتخلف وما بينهما، فأنهم يحملون لهؤلاء المهمشين في مدنهم التي تحت مدننا، البطانيات والصوبات النفطية وأكياس الاسمنت مقابل شراء أصواتهم، ولأنهم لا يعرفون الثمن الحقيقي لهذه الأصوات، يبيعونها بالجملة مقابل كسرة دفء، وحلم يعلمون علم اليقين انه لن يتحقق، لكنهم بحاجة لهذا الحلم الذي يسرقهم لبعض الوقت من دوامة البحث عن رغيف الخبز.

    بالأمس، عرضت إحدى الفضائيات مشاهد عن إحدى مدن المهمشين، وأجرت لقاءات مع بعض قاطنيها، كان الفزع يطل من بين حدقات عيونهم، فهم هذه المرة ليسوا مهددين برغيف الخبز أو بتسونامي البرد الذي أجتاح العراق خلال الأيام الماضية وحسب، بل مهددون بطردهم من بيوتاتهم التي لا تشبه البيوت إلا بالاسم فقط، ورميهم بالعراء لتكتمل حلقة معاناتهم، ويواجهون غول الحياة مجردين حتى مما يشبه السقف أو الجدار، أليس هذا اغتيالاً مع الترصد وسبق الإصرار؟

    ترى أيعلم هؤلاء المهمشون شيئاً عن الكومبيوتر والانترنت؟ أيعلمون بوجود الدش والستلايت وأجهزة التلفزيون المسطحة؟ أيعرفون شيئاً عن المايكرويف والغسالات الاوتوماتيكية والاغطية المدفأة كهربائياً؟ الجواب حتما سيكون لا.. وهذا الجواب يولد سؤالاً أكثر خطورة من الأسئلة الماضية وهو: لم لا؟

    إذا كان السياسيون وسماسرة الانتخابات يقايضون حياة هؤلاء المهمشين بأثمان بخسة، لأنهم لا يعرفون القيمة الحقيقية لأصواتهم، فإن دور الإعلام والمثقفين ليس الدفاع عن حقوق هؤلاء وحسب، بل الواجب الأهم هو تعريفهم بحقوقهم كمواطنين وكيفية انتزاعها من براثن الفاسدين والمفسدين، كي ينتقلوا من صفة المهمّشين إلى صفة الفاعلين المتفاعلين مع المجتمع وتنتهي مرحلة صمت الحملان.

  • زمن الحرب الأميركية

    على الرغم من أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما أخذت منذ تسلّمه الرئاسة وحتّى الآن منحى سلميا، على العكس من سابقه بوش، إلا أنّه هذه المرّة أصبح عليه أن يعود إلى الخطط الحربيّة لوزارة الدفاع الأميركية. وتبدو وزارة الدفاع الأميركية بدورها، أكثر تخوّفاً مما كانت عليه منذ أشهر قليلة، لاسيما بعد موجة الثورات العربيّة، والتي أصبحت مثل المارد الذي خرج من القمقم وتمرّد على سيّدهِ.

    صحيفتان أميركيتان عريقتان كشفتا عن خطط جديدة لوزارة الدفاع في وقت واحد، أوّل تلك الخطط تقضي بتصنيع قنابل حديثة باستطاعتها أن تصل إلى منشآت إيران النووية تحت الأرض، والتي اكتشف وزارة الدفاع مؤخراً، أن قنابلها لا يمكنها الوصول إليها، أما الخطّة الثانية، وهي إرسال سفينة حربيّة، تسهل العمل على الكوماندوز الأميركي، إلى الشرق الأوسط وهذه السفينة كانت توقّفت عن العمل، وكانت الخطّة، قبل إعادتها إلى العمل، أن يتم إيقافها نهائياً، لكن، حسب تقارير الصحافة الأميركية أصبحت الحاجة ملحّة إلى إعادتها للعمل مجدّداً.

    كل هذا يفسّر أن الإدارة الأميركية تعاني خطراً محدّقاً يحيط بالمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وإذ تميل أميركا، عبر إدارتها، هذه المرّة، إلى تطوير الأسلحة واستحداث أسلحة أخرى، يتبدّى جليّاً أنّها ستتخلّى عن الدبلوماسية التي قادها أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في الفترة المقبلة، لكن بمقابل هذا، لا تبدو إيران، والتي تعتبر الخطر الأكبر الذي تخافه أميركا الآن، بأنها ستقف متفرّجة على ما ستفعله ماكينة الحرب الأميركية، إذ ما يزال الردُّ الإيراني جاهزاً لأي تهديد أميركي، وأحياناً، تقدّم إيران هجوماً مضادّاً على أيِّ تصريح أميركي، إذ ردّت إيران على العقوبات الأميركية الجديدة التي تنوي نقاشها مع عدّة دول أوربية بأنها ستوقف صادرات النفط إلى أوروبا، ما يعني تعطّل الكثير من المشاريع الأوربيّة، أما قضيّة مضيق هرمز، والتي قلّل من شأنها المحلّلون السياسيون العرب، ما تزال الإدارة الأميركية تأخذها على محمل الجدّ.

    من جانب آخر، يبدو الضغط الإسرائيلي على الإدارة الأميركية بشأن مهاجمة إيران عسكرياً يأخذ مفعوله الحقيقي، ولقاءات القادّة العسكريين بين الجانب الأميركي والإسرائيلي التي حدثت مؤخراً في تل أبيب يبدو أنّها أثمرت هذه الخطط وستثمر خططاً أخرى في القريب العاجل، الأمر الذي يشرح ببساطة إن زمن السلاح آت، والحرب على الأبواب، وهذا على العكس مما قاله وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا بأنّه ينوي الاعتماد في المراحل المقبلة على التكنلوجيا بدل الموارد البشريّة.

  • أردوغان وأمراء التقسيم

    دخول رجب طيب أردوغان على خط الأزمة العراقية بهذه القوّة، يشي أن ثمّة طبخة إقليمية قذرة تستهدف العراق، بعد أن قطع شوطاً مهمّاً في استعادة السيادة وشرع في بناء دولته، رغم التناحرات السياسية التي يرتبط أغلبها بأجندات خارجية، فيها لتركيا وحلفائها حصة الأسد.

    لنعيد قراءة تصريحات السيد أردوغان مرّة أخرى، يقول رئيس الوزراء التركي الذي لم يجفّ دم العشرات من الكرد الأبرياء الذي قصفتهم طائراته قبل أسابيع من على بدلته الأنيقة بعد (إذا بدأتم مواجهة في العراق تحت شكل نزاع طائفي فمن غير الوارد أن نبقى صامتين) ويشدد في البرلمان أمام نواب حزبه إن على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (أن يفهم هذا الأمر) ويشدِّد: (من المستحيل أن نبقى صامتين لأننا نتقاسم معكم حدوداً مشتركة، لدينا علاقات قربى وأننا على اتصال بكم يومياً). ويقول: (ننتظر من السلطات العراقية أن تتبنى موقفاً مسؤولاً يدع جانباً كل أشكال التمييز الطائفي ويمنع قيام نزاعات طائفية).

    أين غابت كياسة السيد أردوغان الدبلوماسية؟ من المؤكد أنها ضاعت في صخب الغضب الذي اجتاح الرجل من العراق الذي يوشك أن يصبح دولة حقيقة تستعيد ثقلها الإقليمي.

    وتعالوا نسأل السيد أردوغان، أين كانت حماستك حين كان العراق يعيش بالفعل أجواء التناحر الطائفي وأوشك أن ينزلق بالفعل نحو هاوية الحرب الطائفية؟ ألست من أحتضن بعض رموز الطائفية في مؤتمرات أنقرة وأسطنبول التي كنت ترعاها شخصيّاً تحت يافطات براقة؟.

    الطبخة أيها السادة أكبر بكثير من مجرّد تصريحات للسيد أردوغان، فهي تدخل في الطبخة السعوديّة التي تعدّ على نار هادئة من أجل تقسيم العراق تحت ذريعة الفيدرالية وتحديداً في محافظتي الأنبار وصلاح الدين، تلك الطبخة التي تلقى سعياً محموماً من أمراء التقسيم الذين يجوبون مدن المحافظتين تحت جنح الظلام وبعيداً عن أضواء الإعلام، مبشرين بمزايا الأقاليم التي ستحوّل كل من المحافظتين إلى جنة عدن، والذين بدؤوا يستقطبون الكثير من أهلنا في المحافظتين، منهم من البسطاء ومنهم من النفعيين الموعودين بحصة كبيرة من كعكة العقود، خاصة وأن السعودية أغدقت على أمراء التقسيم الكثير من الأموال لإنجاح مهمتهم.

    والسعودية المنكفئة على مشاكلها الداخلية، خولت السيد أردوغان على ما يبدو للقيام بمهمة التأجيج الإقليمي المساعد للتحركات الداخلية من أجل الإسراع بإتمام الطبخة قبل أن ينهض العراق من رماد فجيعة السنوات الماضية ويعود إلى حجمه الطبيعي الذي سيحدد بدوره الحجم الحقيقي للسعودية ويحدد أيضاً المساحات المسموحة لأي من اللاعبين الإقليميين الاقتراب منها والتي ستكون بكل الحالات منطقة حرام، تبعد كثيراً عن حدود التدخل في الشأن العراقي.

    الحكومة العراقية التي وصفت تصريحات أردوغان بأنها (تصريحات حساسة جداً وعلينا دراستها بحذر قبل أن نرد عليها). مطالبة الآن بتفعيل ماكنتها الدبلوماسية وتوظيف علاقاتها الدولية، من أجل الرد العملي على تصريحات رئيس الوزراء التركي، ولو تطلب الأمر رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي.

  • يقظة عرقوب

    استئناف المفاوضات حول مفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، هي عودة إلى مارثون العبث الذي استمرّ أكثر من عشرين عاماً دون أن يتحرّك من نقطة انطلاقه قيد أنملة.

    وإزاحة الغبار عن ملف هذه القضية في الوقت الراهن قد يحقّق هدفاً واحداً فقط، إضافة الرئيس الفلسطيني إلى قائمة العراقيب الإسرائيلية، التي سجلت رقماً قياسياً في عدم الالتزام بأيٍّ من تعهداتها التي أملتها نتائج المفاوضات الماراثونية الماضية، فهي في كل الأحوال (ليست مقدسة) على حدِّ تعبير رابين الذي اغتيل عام 1995.

    الرئيس الفلسطيني الذي أعلن خيبة أمله في المفاوضات وفي تعهدات رعاة عملية السلام، أعلن أيضاً إعلان الدولة الفلسطينية أمام العالم وتقدَّم بطلبٍ رسميٍّ بذلك أمام المنظمة الدولية في أيلول الماضي، لكنه وتحت ضغوط علنيّة ودوليّة أرجأ هذا الإعلان إلى السادس والعشرين من الشهر الجاري، أي يوم غد، فهل يفي بوعده، أم انه سيتذرع، حاله مثل حال المفاوض الإسرائيلي بالمفاوضات على استئناف المفاوضات، ويصبح عندنا عرقوباً فلسطينياً يقف جنباً إلى جنب العرقوب الإسرائيلي الذي ولد في دهاليز أوسلو؟.

    الرئيس الفلسطيني قد يركب البغلة الإسرائيلية بالمقلوب دون أن يدري، فالموعد الذي حدده، وهو السادس والعشرين من الشهر الجاري، هو الموعد النهائي لتقديم طلب فلسطيني للجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطينية عضواً فيها، كما إنّه الموعد النهائي لانتهاء مهلة الشهور الثلاثة التي حدّدتها اللجنة الرباعية الدولية لمنظمة التحرير ودولة الاحتلال الإسرائيلي لتقديم اقتراحاتهما بشأن استئناف المفاوضات، دون أيِّ تحديد لأرضية المفاوضات أو نقطة انطلاقها، التي ستكون نقطة الصفر بحكم المؤكد.

    الاتحاد الأوربي المنكفئ بمشاكله الاقتصادية، لم يشأ أن يكون بعيداً عن أجواء الكرنفال الفلسطيني–لإسرائيلي، فقد سارع لتعيين السفير الألماني في سوريا اندرياس راينيكه في منصب المبعوث الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، وكعادتها، خرجت كاثرين أشتون المفوّضة العليا للعلاقات الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي بتصريح ناري قالت فيه إن تعيين راينيكه يظهر «التزامنا القوي تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط»، وأشارت الى إن هدف الاتحاد الأوروبي هو «إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية ومترابطة وقابلة للحياة تعيش إلى جانب إسرائيل بسلام وأمن».

    أما وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون فإنها لم تبدي أي حرج في مهاتفة الرئيس عباس لتبلغه ما وصفه -مصدر فلسطيني رفيع المستوى- بـ»رسالة تهديد» لمواصلة محادثات عمّان دون شروط أو مرجعية أو جداول زمنية.

    راعي الحلقة الجديدة من سلسلة المفاوضات الماراثونية، الملك عبد الله الثاني قال في مقابلة مع الواشنطن بوست إن «الوقت الحالي ليس هو الوقت الصحيح لدفعة أميركية هامة لمحادثات السلام» مضيفا أن «لا أحد من الأطراف المعنية يتوقّع أن يتدخل الأميركيون الآن بقوة وبوزن كامل».

    الرسالة الأردنية واضحة فالمفاوضات التي ما كانت لتبدأ أصلاً لو لم تكن أميركية، وبالتالي فإن ما يجري في عمّان ليس استمراراً للحرث الفلسطيني في بحر المواعيد الأميركية الخادعة، بل هو استمرار آخر للحرث في مواعيد الرئيس الفلسطيني حول دولة قد لا يشهد على قيامها أي تاريخ منظور, فهل سنشهد يقظة جديدة للشعب الفلسطيني على إيقاع الآليات الجديدة في استرجاع الحقوق الوطنية، أم سيكتفي بيقظة عرقوب..؟

  • لـيبيا الصعود الى الهاوية

    تُعدُّ الثورة الليبية من أكثر ثورات المنطقة ترفاً، فهي لم تتفجر ضد جوع أو بطالة أو تحسين المستوى التعليمي أو الخدمات الطبية، بل تفجرت من أجل الحرية وبناء نظام ديمقراطي تعددي، والمفارقة هي نقطة التقاء رياح الربيع العربي مع حجم التعليم العالي بين أوساط الليبين في لحظة تاريخية أدت إلى انهيار نظام العقيد معمر القذافي.

    والمفارقة أيضاً، أن مدينة بنغازي التي شهدت الشرارة الأولى لانطلاقة ثورة 17 فبراير، هي ذاتها التي تشهد شرارة الثورة الجديدة على عقم قيادات ثورة فبراير.

    فبعد أشهر من نجاح الثورة ومقتل وأسر قيادات النظام السابق وبمقدمتهم القذافي ذاته وابنه سيف الإسلام الذي يُعدّ الرجل الثاني في النظام، وجد الليبيون أنفسهم أمام حالة من الفوضى الأمنية وغياب الخدمات، وشحّة الموارد المالية بسبب تلكأ القيادة الجديدة في دفع المرتبات الشهرية، كما وجدوا أولادهم يلهون على الأرصفة بعد أن أغلقت المدارس أبوابها، باختصار وجد الليبيون أنفسهم أمام حقيقة جديدة مفجعة هي غياب «الدولة»، وهذا لا يعني أن القذافي كان يدير دولة، إذ أنّه أورث الليبيين ليبيا من دون قاعدة، لكنّه بأبسط الأحوال كان قد صنع مؤسسة حتى ولو كانت قبليّة.

    رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل الذي رفع بالأمس على أكتاف الناس ابتهاجاً بنجاح الثورة، هرب من غضبهم اليوم ومن باب المجلس الخلفي بعد أن حطموا مكتبه وسيارته الخاصة احتجاجاً على سوء الأداء الحكومي للمجلس الذي قدم أحد أعضائه وهو عبد الحفيظ غوقة رئيس المجلس المحلي لمدينة بنغازي، قرباناً على مذبح الغضب الشعبي الذي تبنى مطلباً واحداً كان ملأ حناجر المحتجين: الشعب يريد تصحيح مسار للثورة. وهل ثمة مسار للثورة الليبية؟

    مصطفى عبد الجليل قال: إن غوقة اختار الوطن قبل شخصه، وغوقه قال: إنني أستقيل طالما كان في استقالتي مصلحة للأمة، والشعب الليبي قال: نريد ثورتنا.. نريد ثمن الدم الذي قدمه شهدائنا وجرحانا.. نريد الأمن والازدهار والحرية.

    في ثورة فبراير، كان التاريخ الليبي يمشي على عكازين، أحدهما للثوار، والأخر لنظام القذافي، والمفارقة أن العكازين لشيخ الثورة الليبية عمر المختار، ولذا، فإن الجغرافية الليبية لم تكن تعتمد خرائط البحر الممتد على طول الحدود الليبية، بل كانت تقفز من مدينة إلى أخرى حسب أهواء طائرات الناتو، أما الثورة الجديدة فإنها تسير بوقود دماء أبنائها التي لم تجف بعد، كما أن جغرافيتها لا تحتاج إلى طائرات وبوارج، لأن لصوت بنغازي صداه في طرابلس ومصراته وبنغازي والزنتان، ولم تعد فزاعة الفراغ السياسي والحرب الأهلية التي يحذر منها عبد الجليل تجدي نفعاً، لأن حاجز الخوف قد تلاشى والمارد خرج من قمقمه.

    دبلوماسي ليبي مخضرم قال: إننا ثرنا من أجل الفقر، وحين سأله مراسل ليبراسيون، وهل كان في ليبيا فقر؟ أجاب بسخرية مرة، لا.. ولكننا ثرنا من أجل أن يكون عندنا فقر.

    إنها المعادلة الأزلية بين الحرية ورغيف الخبز…

  • أسئلة أميركية وإجابات إقليمية

    عمر الجفال 

    تتمحورُ الوثيقةُ التي أصدرها مؤخراً معهد واشنطن تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للبنتاغون: آسيا والشرق الأوسط» حول احتمالات المواجهة مع إيران ومصداقية الولايات المتحدة في المنطقة، حيث تدشّن الوثيقة بهاجس الخوف على مصالح الولايات المتّحدة الحيوية المتمثلة بالنفط، وتستعرض تاريخ تعرّض هذه المصالح إلى تهديدات جديّة منذ عهد الرئيس نيكسون حين فرض العرب حظراً على شحن النفط إلى الغرب إبان حرب تشرين عام 1973 وحتى عهد الرئيس بوش الابن حيث تتناول هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو كل من أفغانستان والعراق وما شكّله على مصالح الولايات المتحدة الحيوية، لتصل إلى التساؤل الأخطر: ماذا لو قامت إيران بشنِّ حملة سريّة لمضايقة الملاحة الدولية في الخليج بدلاً من غلق مضيق هرمز؟

    ترجح الوثيقة التي وضعها مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد مايكل آيزنشتات، «إن الولايات المتحدة حينئذ مستعدّة لتنظيم مواكب حماية كما فعلت في نهاية الحرب بين إيران والعراق» حين تطوّرت الهجمات بين القوتين لتشمل شحنات النفط من أجل الضغط الاقتصادي على العدو وتجفيف موارده المالية المساهمة بتغطية فواتير صفقات الأسلحة التي استلزمتها حرب الثمان سنوات بين البلدين.

    وتستمر الوثيقة بطرح عدد من التساؤلات التي تؤشر بشكل غير مباشر إلى تورّط القوّات الأميركية في مستنقع الشرق الأوسط بالتزامن مع ازدياد اهتمام السياسة الأميركية بأوربا وتقول: «ماذا لو قام حزب الله بمضايقة سفن التنقيب عن الغاز وأرصفة الإنتاج قبالة ساحل إسرائيل، بما يؤدي إلى قيام توترات أو حتى مواجهة صريحة؟ وماذا لو قامت تركيا بدعم حزب الله -لأسباب انتهازية- على سبيل المثال، نَيْلِ حظوة لدى العرب ووخز إسرائيل وقبرص»؟

    هذا التلميح الذي تشير إليه الوثيقة حول تلاقي مصالح تركيا وإيران إقليمياً، قد يؤدي إلى تقويض دور الولايات المتّحدة الأميركية في المنطقة، لاسيما وأنها فقدت الكثير من مصداقيتها إثر تخلّيها عن أقدم حلفائها في المنطقة خاصة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مما جعل أصدقائها لا يثقون بها وقد يبحثون عن حلفاء جدد أقل قوة منها، لكنهم أكثر مصداقية في تحالفاتهم منها، كما ولد هذا الوضع الجديد شكلاً من أشكال كسر حاجز الخوف عند الكثيرين من أعدائها، هذا الوضع الجديد قد لا يترك هامشاً قتاليّاً للقوات الأميركية حتى لو نشبت حرب المسافات الطويلة بين إسرائيل وإيران في حال قامت الأخيرة بضرب المفاعلات النووية الإيرانية التي ستقابل بقصف صاروخي إيراني للمدن الإسرائيلية ، لا يرجِّح أكثر المتابعين تفاؤلاً، إن إسرائيل قادرة على تحمل نتائجها، وبذلك فإن الوثيقة تؤكد أن الجيش الأميركي قد يجد نفسه «متورّطاً في عمليّة إجلاء غير قتالية وإغاثة إنسانية، أو حتى عمليات مستهدفة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يقوم به بالفعل في اليمن»؛ وفي إشارتها لإمكانية الردع التي اعتمدتها سياسة واشنطن تفيد الوثيقة أن «إن محاربة الإرهابيين ومواجهة المتمردين في فترة دامت حتى الآن عشر سنوات ومرور أكثر من عقدين من الزمن منذ نهاية الحرب الباردة قد أوهنوا العزم الأميركي على الردع» مما حدا بها إلى اعتماد سياسة الردع بالحرمان إثر تراجع إمكانياتها للردع بالعقاب.