حضر المدعون قبل بدء الحفلة بساعة على اقل تقدير.. وبدأت الكراسي المخصصة للجلوس تمتلئ شيئاً فشيئاً، حتى شُغلت جميعها قبل بدء البرنامج، وبقي كثيرٌ من الجمهور واقفاً، وآخرون جلسوا على المدرجات.. كان المسرح مهيئاً.. وهناك حركة دؤوبة من قبل الموسيقيين والموسيقيات الذين ترددوا عليه وهم يحملون آلاتهم على ظهورهم في حقائب انيقة.. البعض بدأ يأخذ مكانه على الكرسي المخصص له وفق نظام موضوع مسبقاً، وخارطة موزعة من قبل قائد الاوركسترا.. انهم مجموعة من كبار العازفين العراقيين الذين تهيأوا لأحياء حفل موسيقي تقدم فيه اعمال روسية، وللمرة الأولى تعرض في العراق. مختارات لكبار الموسيقيين الروس منهم ديمتري شوستاكوفش، ورميكسي كوسالوف، وايكور سترافانسكي. وتقدم كل هذه الاعمال بقيادة كريم وصفي قائد الاوركسترا السمفونية الوطنية العراقية. الجمهور كان رائعاً.. والعازفون أتحفوا مسامع الحاضرين بنسق من الموسيقى الملونة، فيشدوهم الى اوتار آلاتهم، ونغمات مزاميرهم، وايقاعاتهم، ليست هذه المرة الاولى التي تقيم فيها الاوركسترا حفلاً على المسرح الدوار في معهد الفنون الجميلة بكرخ بغداد، بل سبق لها ان قدمت العشرات من الحفلات على هذا المسرح ومسارح اخرى في بغداد والمحافظات. الاوركسترا العراقية التي بدأت مشوارها في اربعينيات القرن الماضي كانت وما زالت من اقدم الاوركسترات في المنطقة، وكانت عند بداية تأسيسها مرتبطة بوزارة التربية.. ثم غيرت جهة الارتباط حيث اصبحت جزءاً من دائرة الفنون الموسيقية بوزارة الثقافة. وبعد ذلك تم ربطها بمكتب الوزير مباشرةً. وقد نجحت الاوركسترا العراقية في استقطاب العديد من الفنانين العراقيين المقيمين في الخارج.. وقد دأبت على تقديم اعمالا موسيقية كبيرة تعتبر من الارث الموسيقي العالمي المهم. واذا ما ذكرنا النجاحات المتكررة لهذه الفعالية العراقية الثقافية، فلا بد من ذكر قائدها ومديرها السيد كنعان وصفي، فهو من الكوادر العراقية القليلة التي نجحت في تبوء مراكز مهمة في مجال عملها محلياً وعربياً وعالمياً.. فقد حصل على شهادة الماجستير والاستاذية في القيادة الاوركسترالية والعزف على الجلو، اضافة الى الموسيقى الالكترونية من جامعة انديانا في بلومنجتون في الولايات المتحدة الامريكية، وسبق له ان حاضر في كونسرفتوار القاهرة عام 1991، ومدرسة الموسيقى والباليه في بغداد عام 1990.. والفنان وصفي قدم حفلات موسيقية في كل من الولايات المتحدة الامريكية، وفرنسا، والمانيا، وايطاليا،والنمسا، واسبانيا، والدنمارك، والسويد، ومصر، والعراق في محافظات بابل واربيل والسليمانية. اذن بغداد بدأت تسترد عافيتها.. وبدأت قاعاتها، ومنتدياتها، ومعارضها، ومحافلها، ومجالسها، تستقبل مختلف النشاطات الفنية والادبية والثقافية.. فقد اقيمت بعد عملية التغيير التي جرت في 2003 مئات المعارض الفنية تشكيلية وفوتوغرافية ونحتية.. كما شهدت قاعة اتحاد الادباء وغيرها من القاعات اصبوحات، وأماسٍ لجلسات شعرية ونقدية وقصصية، وفنية، وكذلك شهد المسرح العراقي الجاد عروضاً غاية في الاهمية مثلت انتقالة جديدة للمسرح في فضاء الحرية الذي بدأ يستوعب كل شيء وبدون حدود.. اضافة الى نشاطات مختلفة هي بعض ملامح وجه بغداد الثقافي. ان الموسيقى ونخص منها الاوركسترا تعتبر خلاصة الرقيّ والتحضر الفني والاجتماعي، اكاديمياً وفنياً، وفي جميع انحاء العالم كون اعضائها هم عادة من افضل الموجودين موسيقياً.. ونستطيع القول ان العراق، بخير ما دام لنا هذا الجمهور المحب والمتابع والمتذوق الذي ملأ القاعة، حتى غصت به فأنتشر على جنباتها ومدارجها صامتاً، يستمع بخشوع الى فن طالما اصبح هوية للشعوب الراقية.. ويصفق واقفاً للعازفين، ويعطي صورة رائعة للانضباط الذي لم نجد له مثيلاً في النشاطات الاخرى.
حتى صار يقيناً لدينا ان الموسيقى لم تكن طارئة على العراق وان هذا الفن انساب مع الحياة العراقية منذ آلاف السنين.. ولا غرابة في ذلك.. بل ان قيثارة أور الذهبية شاهد ودليل.