نقل إلينا أحد الباحثين المهتمين بدراسة وتدقيق و(تفليس) حضارة وادي الرافدين بالاضافة الى ما عرفناه ودرسناه حول اختراع الحرف والعجلة و المسلة والقوانين والقيثارة جوانب أخرى عن سلوكيات وانجازات وعادات رافقت مسيرة أجدادنا  العظام في الحياة والحرب والحب والطعام ,, مثلا ,, وهو ما يهمنا – هنا – في مرامي هذا الموضوع ماذا كان يأكل أؤلئك الأجداد و الأولاد والأحفاد في عهد سومر وبابل وأشور وأكد وباقي طاقم الحضارات والسلالات الأخرى الباقي منها والمباد ؟.  

رأى الباحث من جملة ما روى عن سفر تأريخ الأطعمة والأكلات في بلاد ما بين النهرين ان الخبز العراقي الذي يخبز بالتنـور (وهي كلمة بابلية ) كان سومريا وأكد – ايضا – ان خبز (العروك) ذو جذور بابلية ولابد ان تكون ( الكليجة ) ذات أصل أشوري  حسب الدلائل والدراسات والسجلات الآثارية وان المطبخ في العصر السومري يشبه – الى حد كبير – المطبخ الفرنسي المعاصر كونه قائما على الخبز فالرمز المسماري للأكل هو علامة ( الفم ) ويقر ايضا بوجود أكثر من ثلاثمائة نوع من الخبز ,, ثم يذهب الباحث الى بعد من ذلك يربط الموسيقى بالأكل ليستشف أنها (اي الموسيقى)  كانت في عهد نبوخذ نصر تتألف من أوركسترا تحوي على عدد متنوع من الآلات مما يؤكد ان مطبخه كان عامرا باذخا في تنوعه فضلا عن علاقات واستنتاجات أخرى ومعلومات مدهشة وطريفة و مشرفة تعمق أثر فعل حضاراتنا السحيقة على تأريخ البشرية وردت في كتاب صدر حديثا باللغة الفرنسية  وتمت ترجمته الى الانكليزية حمل عنوان ( أقدم مطبخ في العالم … الطبخ في وأدي الرافدين ) لمؤلفه (جان بوتيرو) الذي راح ( يتلمض ) فيه شهية اكتشاف ثلاثة ألواح مسمارية أطلع عليها في أرشيف جامعة ( يـيل yale  ) حوت على خمس وثلاثين وصفة لأنواع مختلفة من المرق على سبيل المثال ,, فالكتاب دسم ومثير فيما يتعلق بتأريخ وأرث الأكلات وأخبار اهتمام الملوك ودرجات حبهم واعتنائهم بهذا البعد الحضاري فيما يخص الجانب المعوي الذي لم يكن مرئيا لنا نحن ممن يعتز للآن  بمنجزات أجدادنا المادية والمعنوية والحربية  منذ عهود خلت حتى زمن البطاقة التموينية .!!

   عادة ما أتابع بفضول وشغف أو- ربما – هربا من أخبار هموم وسموم السياسة برامج الطبخ والنفخ في عدد من الفضائيات ولعل أقربها قناة ( فتافيت ) بسحر دوام ما تملك وتقدم من وصفات وجبات تؤشر الى عمق ما وصلت إليه حضارة الأطعمة من خلال نساء جميلات ورجال مرحين عادة ما يتمتعون بأوزان ثقيلة من فرط حبهم للطعام بوقت ينصح فيه الأطباء ويحذرون من مخاطر السمنة الشهية للأكل والإحساس بالجمال ,, جمال الوجوه والأمكنة وتصميم المطابخ أو التفكير بعمل رجيم قاس ينقذنا من شبح الوصول الى وزن و حجم ذلك الطباخ الذي يقوم بإعداد وشرح مكونات الأكلة الخاصة بذلك اليوم والتي ستكون  حتما من حصة فريق العمل التلفزيوني الذي يقوم  بالإعداد والإخراج لذلك البرنامج الى عالم الوجود,, فترانا  نتنزه برؤية مطابخ أنيقة وعامرة لاتترك فينا غير الحسرة من أناقة و جمال المكان والطبخة دون أدنى تفكير بأزمة الغاز السائل ولعبة انقطاع الكهرباء ,,, تلك البرامج عادة ما تؤكد ان اعداد الطعام نهج حضاري يقاس عليه التقدم وليس مجرد ( حشو مصران) كما كنا ولم نزل نسمع من يكرر هذه العبارة المجافية للذوق وحضارة الأطعمة وهنالك من يقول ان العين تأكل قبل الفم أحيانا.     

التعليقات معطلة