مع مستهل العقد الستيني من القرن الماضي، وأنا طالب إعدادية، بدأت أتلمس طريقي الأولى نحو عالم القراءة والأدب والثقافة وكنت قد سئمت من القصائد الكلاسيكية، وأشبعت نهمي من عذوبة الارتخاء بين موسيقى جبران خليل جبران ورومانسيات (أبو شبكة) ودغدغات عبد القدوس العاطفية، ووجدت نفسي أمام هوى جديد يقوده طه حسين والحكيم ونجيب محفوظ وشتاينيك وهمنغواي ومصطفى جواد وطه باقر والتراث، ومن بين هذا الحشد الذي ابهرني، كنت امتعض من (حوارات محفوظ) المكتوبة بالعامية، لأن (الفصحى) بالنسبة لي يومها كائن مقدس أملته طبيعة المرحلة وطبيعة قراءاتي، ولهذا لم أكن امقت الشعر الشعبي فقط، وإنما أحاربه بيدي ولساني وقلبي، واتهم من يتعاطاه ويتعاطى العامية بالخيانة العظمى! ومضت بضع سنوات اتسعت معها دائرة معارفي، حيث اطل السياب والعيسى وعبد الصبور وماركس وسارتر وفرويد، من بين من اطلوا، وفوجئت ذات يوم في غفلة مني ومن الزمن، أقف ضد قناعاتي القديمة وان الفتوى التي أصدرتها بحق العامية، والقاضية بهدر دمها، قد ذبلت وتراجعت وتغيرت، إلى الحد الذي أعلنت فيه ندمي وتوبتي، لان شاعرا يدعى مظفر النواب، استطاع بما أتاه الله من موهبة نادرة وقوة شعرية، ان يهز عرش الفصحى، ويقتحم بلاط الشعراء ويجالس أمراءه من المتنبي الى الجواهري، وزوادة سفره مفردات عامية صاغها شعرا شعبيا، ارتقى به إلى مصاف الكبار، صورة وعذوبة وخيالا وأسلوبا وبلاغة ومضمونا، و….وفقدت توازني وأصابني هوس اسمه (النواب)!
هو الذي جعلني أتابع سيرته الذاتية، وما يروى من حكايات بطولية عن الهور وسجن الحلة، فازداد تعلقا، وأحفظ عن ظهر قلب، واحتفظ في أرشيفي بكل بيت شعري وشاردة من قصائده، حتى أصبحت راوية من رواته، ومصدر ثقة يعتد به، لا اوثق منه ولا أحفظ!!
جنون لازمني غير قليل من السنوات، قبل أن ابرأ منه، حتى لم يبق من الشعر الشعبي في ذاكرتي سوى الحب القديم، إلا أن ذلك الجنون ما كان يمر بسلام او من دون عقاب، وكان عليّ أن ادفع الضريبة راضيا صابرا صاغرا جزّاءً وفاقا على تنكري للعروبة و(العربية)!! وها هي الأحداث تعود بي أو أعود بها إلى نهايات العقد الستيني طالبا في الجامعة المستنصرية ـ قسم اللغة العربية، وكان النواب، أمير القصيدة الشعبية بلا منازع ما زال يستعبدني حتى ذلك التاريخ، وكان الدرس درس (نقد أدبي) والمحاضر هو الدكتور (محسن غياض) ـ رحمه الله حيا او ميتا، الغاضب من شيء ولا شيء 25 ساعة في اليوم ، وكان الرجل من أكثر أساتذتنا الأفاضل تعصبا للضاد، ومن أشدهم خصومه للعامية، وأنا اعرف ذلك، ولكن النواب أنساني هذه الحقيقة، ففي محاضرة غياض بالذات كنت أحاول حفظ قصيدة (جنح غنيدة) التي نشرتها مجلة «ألف باء» ذلك اليوم على صفحتين ملونتين، وحين فطن الدكتور إلى جريمتي التي لا تغتفر لعن النواب والمجلة باللغة العربية الفصحى، وطردني من المحاضرة، باللهجة العامية!!