يذكر لنا ماضينا القريب أن كوكب الشرق (أم كلثوم) كانت قد اتصلت بالزعيم الراحل (جمال عبدالناصر) بعد سنوات من قيام ثورة (يوليو/1952) لتشكيه من أن الإذاعة المصرية لم تعد تبث أغانيها، فبادر الرئيس -رغم مشاغله ومهماته الجسيمة- إلى الاتصال مباشرة بمدير عام هيئة الاذاعة والتلفزيون-اعتقد انه كان(فكري أباظة)على ما الظن- ونقله له شكوى سيدة الغناء العربي، وما كان من السيد المدير إلا أن أجاب بأنها تركة من تركات النظام السابق، نظام الملك فاروق!، فرد عليه (عبدالناصر) -رحمه الله- بسؤال آخر، (معاك رافعات كبيرة وعملاقة؟) استغرب الرجل من سؤال السيد الرئيس بعد أن أجاب بكلمة (نعم) فحسم (عبدالناصر) الأمر- تماما- بأن طلب منه أن يقوم برفع أهرامات الجيزة ورميها في النيل، لأنها -أيضاً- من تركات النظام الملكي، خجل المدير من كلام الرئيس،ليندلع -بعد إتمام تلك المكالمة الهاتفية– صوت (أم كلثوم) عميقا، صادحا، مغردا، حاضرا، حتى يومنا هذا.
طيلة طريق عودتي- قبل أيام- من أربيل إلى بغداد كان سائق سيارة الأجرة التي أقلتني يتهدج طربا بسماع قرص (سي.دي) يتناوب بالغناء فيه صوت عملاقين هما الملحن الكبير (طالب القره غولي) والمطرب الأثير (ياس خضر)، فيما ينفرد صوت (ياس خضر) غناء معبرا للحن (القره غولي) في سفر رائعته (ليل البنفسج) وهي تقطر أنينا وحنينا وعتابا حانيا كان قد توالد من عبقرية صانع تلك المفردات والصور المذهلة الشاعر الفذ (مظفر النواب)، رحلتان كانت في طريق تلك الرحلة من أربيل الى بغداد،رحت أستعيد أمجاد وخوالد ما قدم(أبو شوقي)- طالب القرغولي- من مآثر الحان عصية على أي تجاوز أو نسيان، عميقة- راسخة في ضمائر وعينا ونسيج وجدان ذائقتنا السمعية، منذ أن خطا بموهبته -منتصف ستينيات القرن الماضي- ليمضي بأغنية (ياخوخ يا زردالي) نحو رسم وترسيم معابر حضوره وثقة تواصله قادما من سحر وعمق الناصرية مدينة ثوالث الاداء الشجي المرهف (حضيري أبو عزيز/ وناصر حكيم/ وداخل حسن) ليمنح الأغنية العراقية فضاءات أوسع وبهاءً (المع) وليمد بدفقها وحنينها الى مصاف علوم الموسيقى ومعارفها بعيدا عن الارتجال و الاستجابة الآنية وليحقق لها الانفتاح ووصيت الشهرة الأوسع عبر تلحين القصيدة الفحصى والأغنية الشعبية الرائقة والأعمال المسرحية وغيرها من المثابات الكبيرة التي أطرت تجربة هذا الجنوبي الجميل بروحه وصدقه وسلامة قلبه وانتمائه الوطني، فهل يصح أن يركن أو أن تركل إنجازات (طالب القره غولي) هكذا بحجج انضوائه تحت خيمة مرحلة النظام السابق، و(يكافأ) بهذا الإهمال والعقاب النفسي، هناك بعيدا عن محبيه، عن شواطئ ذكرياته ونسائم احلامه، عن (حاسبينك) عن (ليل البنفسج)، عن (روحي لا تكلها شبيج،، مكطوعة مثل خيط السمج روحي) عن (جذاب) أو(اعزاز) عن (سفر أيوب) السياب أم (صبر أيوب) عبدالرزاق عبدالواحد، قصائد وأغاني تبدأ ولا تنتهي في سجل مبدعنا (القره غو لي)وهو يعاني المرض والغربة معا.
من يرفع عنه الهم والغم ووحشة روحه هناك، فهل يحتاج الأمر-هنا- إلى (عبدالناصر) جديد؟!