يذكر التاريخ (تاريخ بغداد الزاهرة) أن الخليفة المأمون كان يعطي مترجمه (اسحق إبن حنين) وزن ما يترجم ذهبا..تصوّروا ّ!!

ليس ابن حنين وحده؛ وإنما كل من كان ينقل للعربية كتابا يشكّل إضافة لوعي الأمة ولثقافتها ..

ومن المفارقات أن بعض الأمم التي تُرجمتْ أعمالها إلى العربية؛حين فُقدَ الأصل من خزائن مكتباتها؛ ترجمته من العربية إلى لغتها الأم؛ كما حدث ذلك مع رائعة ابن المقفع(كليلة ودمنة)!!

ولذلك تعالت المعارف والأفكار؛ وازدهرت الآداب والفنون في زمن بني العباس..حدّ أن أذهل هارون الرشيد شارلمان ملك الإفرنج؛ حين أهدى إليه ساعة (أوقفت) عقل من شاهدها؛ في حين كان الزمن (يمشّي) على 24حباية !!

يقول الجاحظ عن الترجمة (ولا بدَّ للتَّرجُمانَ من أن يكون بيانهُ في نفس الترجمة، في وزْن علمه في نفسِ المعرفة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناس باللغة المنقولة والمنقولِ إليها، حتَّى يكون فيهمِا سواءً وغاية)

..اعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها

أي جهد إذن يحتاجه المترجم؛ وكيف ينبغي أن ننظر إلى إبداعه؛ وسط حقول الألغام التي يتحرك فيها بين معنى..ومعنى مرادف؛ وبين نقل (حرفي) و (حرية) في الاستنباط والتصرّف.؟

في حياتنا الثقافية- التي شهدت طفرة نوعية في صناعة الكتاب وترجمته منذ فترة السبعينيات والى اليوم- كنّا نبحث– كقراء- عن أسماء معينة حين نمسك كتابا مترجما؛ فقد تكوّنت لدينا قناعة بلغة هؤلاء المترجمين؛ وبما يضيفون إلى النص المترجم من روحهم ومن ثقافتهم..وكل ذلك بلغة منسابة لا يوقفها تقعّر..أو تثلمها جعجعة فارغة .

هكذا كنا نبحث عن شكسبير-جبرا إبراهيم جبرا؛ وعن ماركيز- صالح علماني؛ وعن فولكلور- رشدي صالح؛ وعن..سامي الجندي- لوحده سامي الجندي .

(وما يفرحني الان أن الأدباء السبعينيين الذين هاجروا إلى أوربا عادوا إلينا بمنقولات من أجمل التراجم؛ ومنهم: كاظم جهاد؛ وشاكر لعيبي..على سبيل المثال)

في داخل العراق- اليوم- ثمّة (ظاهرة ترجمية) اسمها (محمد درويش)

..فهذا الفتى الستيني؛ نشر حتى الآن؛ وأرجوكم دقّوا على الخشب: أربعين كتابا مترجما..تقارب بعض صفحات عناوين هذه الكتب.. أل 700 صفحة؟!!

وما زال في جعبته الكثير؛ وبما تراهن كبرى المكتبات العربية على رفع سقف مبيعاتها بسببه؛ فقد استطاع أن يصنع له (بصمته الخاصة) في عالم الترجمة المتلاطم؛ وتمكّن من ترويض هذه (الحرفة الميكانيكية) لدى تجار النشر وهواته.

فحوّل (حرفتها) إلى إبداع؛ و(ميكانيكيتها) إلى ممارسة يومية أشبه ما تكون بـ (يوغا كتابات)..يوغا تعينه على نقل أفكار؛ وثقافة؛ وأسلوب من يترجم له؛حتى لتشك-أحيانا- بان هذا النص مُترجم؛ وذلك لما فيه من مذاق ونكهة عربية خالصة؛ على الرغم من عوالمه الأجنبية؛ وهذا متأت من تبحّر في اللغتين؛ ومن معرفة دقيقة بالتراكيب..والقواعد..والأسرار؛ التي تصل في بعض المواقف إلى اللهجة الدارجة !!

محمد درويش..أيها الفتى الناشط ؛ لا عليك من جيلنا؛ فستحفظ لك الأجيال القادمة انك كنت مِن بين مَن ساهموا في تقريب الثقافات بين البشر؛ ومِن بين مَن جعلوا التواصل الإنساني ممكنا .

.. مبارك لك صدور كتابك ذي الرقم أل 40 ؛ يا من افخر باني من أصدقائه .

التعليقات معطلة