تسعة أعوام مرّت على احتلال العراق وتغيير نمط الحكم فيه، تسعة أعوام يلوّح لها العام العاشر بأن تتقرّب إليه، والعراق، خلال هذه الأعوام، لم يتطوِّر إلا قيد أُنملة، والأدهى من ذلك، شكلّت هذه الأعوام العجاف ملابسات ستضع العراق في زاوية لا يستطيع الخروج منها أبداً، أوّل تلك الملابسات، مواد الدستور العراقي الذي يتخلّق من خلال المادة الواحدة مواد كثيرة، ناهيك عن كيفية تفسيرها من مرجعية قانونية إلى مرجعية أخرى، ويتفصّل هذا الدستور على مقاس الأزمة السياسية التي تضرب في أعماق أمن وعيش المواطن البسيط.
9 أعوام، مرَّ فيها صراع طائفي، وتنافس غير متكافئ على السلطة، وانتخابات شاب بعضها عمليات تزوير وإقصاء، وعدم تقدّم في الخدمات، وتراجع في حقوق المواطنة، وصعود الخطوط البيانية للفقر والبطالة، وتقهقر القطاع الصحي، والجائزة الأكبر أن يكون العراق ثالث دولة في الفساد، هكذا بعد نضال طويل استحققنا، بجدارة السياسيين، الميدالية البرونزية للفساد.
مباشرة، بعد سقوط الدكتاتور، وبروز الوجوه السياسية، طالبت الأحزاب العراقية الصبر عليها لتحقيق الأمن والرفاه، أدّعو السياسيين حينها، أن الأعوام المقبلة ستكشف عن عراق جديد، سيحطِّم صورةُ الدول الاقتصادية الناشئة مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وماليزيا، في ظلِّ هذا، كان العراقي يحلمُ بعراقهِ الجديد، يتحمَّل الموت الذي تمشّى كالغولة في شوارعه، ويتحمَّل حرَّ الصيف القائض، ويتحمّل غياب القانون وحلول المجموعات المسلحة بدلاً عنه، كان تحمَّل وصبر أيوب هذا يشي عنده بفرج النمو الاقتصادي؛ لكن فرجا قُتِلَ بالاقتتال الطائفي كما يعلَّق سائق تاكسي، وبالفعل هو قتل.
بعد 9 أعوام مملوءة بالفساد، يطلُّ الساسة اليوم، بحلول تبدو عاقرة، وابتدأ الحلّ الأول لأزمة الكهرباء بخصخصتها، الخصخصة هنا، لها أكثر من طابع، ولها أكثر من تأويل، وتأويلها الأوّل سيؤدي إلى الفساد، هذا ما عدا أن قرار الخصخصة اصلاً لا يتلاءم مع إدارة الدولة،
وخصخصة قطاع الكهرباء، ستفتح الباب واسعاً أمام خصخصة الماء، والمدارس وكل ما يتعلَّق بالخدمات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لِمَ الخصخصة، تعليق أحد الاقتصاديين أنه سيفتح باب الاستثمار أمام السياسي نفسه هو الأقرب إلى الواقع، سنرى، في المستقبل القريب، أن المستثمرين في قطاع الكهرباء هم نفسهم السياسيون وأعضاء البرلمان، ربح آخر يضاف إلى جيوبهم. لكن بحسب الأدبيات الاقتصادية، لا تتحقّق الخصخصة إلا بوجود دولة كفوءة، والشرط الأساس أن تكون خالية من الفساد، وإذا كانت نزيهة بالطبع، فإن نقابات العمّال ستكون فعّالة فيها، والضمان الاجتماعي أيضاً، وتقلّص معدلاّت البطالة، وأن لا يكون البلد ريعيا وإنما يعتمد على وسائل انتاج وقدرات استثمارية هائلة، لكن أين العراق من كلّ هذا ؟.
مخططات الحكومات العراقية المتعاقبة تضع شعاراً واحداً لحلّ الأزمات النائمة على مكاتبها: (هذه أفضل الحلول التي وضعتها الدول الحديثة)، ضمن هذا نطاق، هل يتخيّل أحد، وهو يعيش الأزمات العراقية المستمرة، أن بلداً مثل العراق يندرج في قائمة الدول الحديثة ؟!.
إن الحكومات العراقية تسير في نهج يصنع من العراق قنبلة موقوتة قد تنفجّر في حال احتقنت أكثر مما هي عليه الآن؛ المشاريع والاستثمارات المرتبطة بحجم الفساد، والبطالة، وانتشار السلاح، كل هذه محرّضات ليحبل العراق بطفل مشوَّه، يختلف عن الطفل الحلم الذي تخيّله العراقيون بعد عام 2003.
فكيف حالنا في هذا.. هل أبدو متشائماً ؟.. بالطبع. لكن هذا التشاؤم في وجهِ كل عراقي.