• رهان الإرهابيين على موت بغداد كرهانهم على موت الحياة وانطفاء الامل.. كمحاولة حجب الكركرات عن الاطفال؛ كرهان الرماد ضد النار؛ والا ايّ مدينة في الكون -قولوا لي بربكم- يسيّجها القتلة بمسدساتهم الكاتمة؛ ويفرّ المجرمون من سجونها سعيا وراء مآتم طازجة؛ ومع ذلك تحشّد عوائلها في باب المسرح الوطني لحضور حفلة موسيقى!!
معزوفات من شتراوس الألماني وكاميل الفرنسي وتشايكوفسكي الروسي؛ واستكمالا لمشهد الابداع تجمّل الأمسية بمحطات عراقية لخليل اسماعيل؛ ثم تضيف بهاءات بحضور جعفر الخفاف؛ وسط صمت مهيب حتى من الأطفال!!
فإذا انتهت المقطوعة.. تعالى التصفيق احتراما لهذا السحر الآسر الحلال.
• كان في داخلي امتنان خاص لصديقي الدكتور حامد الراوي لأنه من وجّه لي دعوة الحضور؛ ولا أكتمكم.. فوجئت تماما بالقاعة التي اكتظت عن بكرة كراسيها؛ بالفتيات الحلوات..بالشباب الأنيقين.. بالرجال المهذبين حد الانصياع لوقارهم؛ وبكاميرات الإعلاميين التي جاءت توثق لـ(مدينة باسلة) وليس لـ(حفلة موسيقية).
اما الموسيقيون.. فما اجملهم؛ ما اجمل القائد (الجنرال المسالم) محمد امين عزت؛ وهو يهش بعصاه على الأنغام فلا تملك الا ان تصدح بين مسامعنا؛ متقافزة من مقطع ضاج الى مقطع هادئ؛ وخوف أن تتقاطع في ترجماتها للعواطف والاشجان الانسانية؛ حرصت اصابع العازفين الكبار -في كل شيء- على تنسيق المعزوفات؛ فعشنا ما يقرب من ساعتين يحيطنا البهاء والمتعة الباذخة.
• حين تزور اي بلد متحضر؛ فأن القائمين على منهاج زيارتك يحرصون كل الحرص على ان تزور(دار الازياء) و(ثقافة الاطفال) و(المسرح القومي) و(الفنون الشعبية) و..الفرقة السمفونية.
.. هذا في العالم المتحضر؛ اما لدينا فمن المفارقات ان تهاجم وزارة الثقافة لأنها تتبنى المسرح والأزياء وفعاليات الاطفال وفنون الفولكلور الشعبي والفرقة السمفونية!!
• كل عازف في هذه الفرقة البطلة (وسأفسر تسميتي لها بالبطلة)هو ثروة عراقية يجب المحافظة عليها ودعمها؛ولنا في ما استقطبتهم الدول التي بنت سمعتها الثقافية على أكتاف مبدعينا ممن لم نعرف كيف نحافظ عليهم خير دليل؛ فقد دفعت لهم الرواتب المجزية وبالعملة الصعبة؛ وكانوا هنا راضين بالملاليم؛ لكن ملاليم واستصغار ..هذا ظلم.أما لماذا اسمّي -ودائما-هذه الفرقة بالـ: بطلة؛ لكونها لم تنهزم امام الارهاب والظلاميين؛ في حين انهزمت كتل وأحزاب و(شرد) سياسيون عليهم الاعتماد -كما يقال بالشعبي- وانتقلوا باهلهم الى (الخارج) واعضاؤها ظلّوا في الوطن وربما حملوا السلاح بجوار الآلة الموسيقية دفاعا عن عشق صوفي وعن أسس حضارة يجب أن يتبناها احد؛ وكانوا هم من اوائل المتبنين لهذا الهم النبيل.
.. هوجمت مؤسساتهم واحرقت آلاتهم وعلى الرغم من(السيطرات الظلامية)التي كانت تحرّم الموسيقى وتنحر مرتكبيها؛كانوا يهربون الآلات الهوائية والوترية كما تهرّب الميليشيات الأسلحة؛ افلا يحق لي اذن ان اسميها(الفرقة البطلة) وأطالب الحكومة والمسؤولين بضرورة الاعتناء بها وتكريمها وتخصيص الدعم المادي اللائق بـ(فرقة كومندوز جمالي) تهاجم الحزن والسواد والتخلف وتدحره في اشد معاقله: الرهان على الخوف.
• ادعو القراء الى ان يتذكروا معي: كم خطيب سياسي او مفوّه برلماني؛وقف له الحضور(بعالي قاماتهم) وصفقوا لما يقرب من عشر دقائق متواصلة إعجابا وتقديرا؟!!
..نعم؛ اعرف..لا احد.. لكن المسرح الوطني عن بكرة جمهوره وقف للفرقة السمفونية العراقية وأضاء القاعة والليل الذي جلبب بغداد بالهتاف والدموع والاعجاب..فهل ثمة تميّز اكبر من هذا ؟!!