الذين يقفون مثلي على مشارف السبعين من العمر، يستذكرون جيدا ان التهمة الجاهزة ضد أي شخص يعارض النظام الملكي، هي الشيوعية حتى بات العرف السائد بين الناس، ان كل سياسي يدخل السجن او التوقيف هو شيوعي ومع انه من الصحيح جدا ان الحزب الشيوعي يمثل الواجهة العريضة للنضال الوطني في تلك المرحلة، وبيده مفاتيح الشارع وقدم من الشهداء والتضحيات وصور البطولة ما جعله سيد الساحة ومرجعيتها الأولى، ولكن من الصحيح كذلك ان الحركة الوطنية كانت اكبر من أن تختزل بالحزب الشيوعي فهناك الكثير من التنظيمات والأحزاب والتيارات والشخصيات المستقلة تلتقي مع الشيوعيين في اطار النضال المشارك وأهداف المرحلة ولكن النظام الملكي من حيث يدري ولا يدري قدم خدمة العمر لخصمه الأول بحيث اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة إضعاف ما هو عليه في الحقيقة.
وبالتالي فان ربيع الحزب الشيوعي في اربعينات وخمسينات القرن الماضي كان بسبب السياسة الملكية، والتهمة الجاهزة ضد كل من يعارض النظام،من دون ان يعني هذا التقليل من الدور الريادي الفاعل للشيوعيين ضمن الحركة الوطنية!
المشهد السياسي بعد 1958 وسيناريو النظام الأهوج يتبنى سلوك العهد الملكي نفسه، فقد ابتكر شماعته الجديدة وتهمته الجاهزة وهي (البعثية) ضد كل من يعارض النظام او لا يتفق مع سياسته وبذلك تم تجيير التيارات الناصرية والقومية وبعض التيارات الدينية والشخصيات المستقلة لصالح البعثيين وقدم امن السلطة من حيث يدري او لا يدري خدمة العمر لحزب البعث لأنه اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة اضعاف ما هو عليه في الواقع، وسوف تتبنى السلطة البعثية عام 1963 المناهج القديمة نفسها باعتماد التهمة الجاهزة وكانت التهمة في هذه المرحلة من نصيب الشيوعيين مجددا، مع أن الذين عارضوا النظام وحرسه القومي وسياسته القمعية يمثلون زيادة على الشيوعيين العديد من التيارات والحركات القومية والدينية والبعثية المنشقة وربما كان الجزء الأعظم من معارضي النظام، هم من شرائح المجتمع المستقلة التي رأت في عبد الكريم قاسم بطلها الشعبي المخلص وحلمها الذي انتظرته طويلا، وقد تعاملت السلطة البعثية مع هذه الشرائح الواسعة على انها شيوعية، ووضعت بغباء سياسي لا تحسد عليه الشيوعيين و(القاسميين – اذا جازت التسمية) في خانة واحدة، وحين عاد البعثيون الى السلطة ثانية عام 1968 وتمكنوا من تصفية الشيوعيين خصمهم التاريخي اللدود مستغلين خطأه الكبير وخطيئته التي لا تغتفر عبر القبول بالانضمام الى ما عرف يومها بالجهة الوطنية والقومية التقدمية، كان عليهم ان يبحثوا عن (تهمة جاهزة) لتصفية المعارضين والخصوم السياسيين، وكانت التهمة هذه المرة (حزب الدعوة)، وتكرر المشهد الذي تعرفنا على بداياته في العهد الملكي، وقدم النظام خدمة العمر للدعوة بحيث اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة اضعاف ما هو عليه في الواقع، حتى أصبح من يقصد الحسينية او يطبخ في عاشوراء او يذهب لزيارة الأضرحة المقدسة موضع شبهة او انتماء او تعاون او تعاطف مع حزب الدعوة،ولو كان عضوا او عضو فرقة او شعبة في حزب البعث!!
عجيب هو قدر العراق الذي جعل من أنظمته المتعاقبة ترتدي الثوب ذاته، حتى الأميركان الذين احتلوا البلاد أصابتهم العدوى فحلوا الجيش والشرطة والمخابرات وقوى الأمن والإعلام، بل وفككوا الدولة ومؤسساتها بتهمة جاهزة (أزلام صدام) بحيث جعلوا من قوة وحجم وعدد هؤلاء الأزلام مئة ضعف عما هم علية في الواقع، وبذلك قدموا خدمة لصدام وازلامه لا يحلمون بها… وما زالت التهم مستمرة!!