هكذا شاء النقد وشاء الشعراء وشاءت الصحافة الأدبية أن تقسم حركة الشعر في العراق إلى (أجيال) وليس إلى مضامين أو مشتركات فنية؛ فكان (جيل الرواد) وأعقبه (الجيل اللصيق) او الجيل الخمسيني ومن ثم أنتجت لنا (مقهى المعقدين) بيان الشعراء الستينيين؛ وعلى مشارف السبعينيات تكوّن جيل جديد جاهد للمغايرة مع الأجيال التي سبقته؛ فكان الجيل السبعيني ؛ وعلى عكس الاجيال التي سبقته؛ قسّمه شعراؤه والنقاد إلى مويجات؛ فكانت الموجة الأولى التي ضمت شعراء ناضلوا-فيما بعد- من اجل ان ترتبط (ريادة الجيل) باسمهم؛ إلى الحد الذي تقاتلوا فيه على صفحات الجرائد والندوات!!
ثم صنفوا من جاء بعدهم: بالموجة الثانية.. وهكذا أخذت الأجيال والموجات تتناسل إلى يومنا هذا.
• بعيدا عن هذا الهم ؛ كان هناك شعراء يشتغلون على منظومتهم الجمالية والفكرية ويؤثثون تجاربهم بما تمدهم به الحياة من دون تزييف أو فذلكة .. ولا أتردد أن اذكر هنا واحدا منهم واسميه باسمه الصريح: عواد ناصر.
• لم نلتق -ناصر وانا- في بغداد الا قبل ايام؛ فقد اختار له الهجرة بلدا بديلا لضيقه بما تتركه السياسة والعسكرتاريا من ندوب على الروح..وبقيت انا كأيّ حارس فنار!!
ولم استمعه من قبل يقرأ قصائده الا وهو ضيف اتحاد الأدباء في العراق في أمسية الخميس الماضي؛ وعلى الرغم من انه ينتمي إلى جيل سبعيني مهاجر (ولا اعرف تصنيفه المويجاتي) إلا انني كنت احرص على ان أتابعه لمشتركات بيننا؛ من بينها ان كلينا قادم من مدن جنوبية لم تزل تختزن الكثير من روائح وأخلاقيات القرية؛ وقد رسّبتها– وسرّبتها– الينا وفينا؛ وفضلا عن هذا الجانب (الجغرافي- الاجتماعي) فان قصيدته قريبة من ذائقتي؛ لكونها تحمل فرادة تسجيليتها وارشفتها للواقعة؛ سواء كانت نضالية ام تجربة حب؛ وهذا ما كان ينقص الكثير من قصائد جيلنا؛التي لجأت بداياتها إلى النهل من الشعر اللبناني وتحديدا ادونيس وسليم بركات؛ مما اوقعها في مصيدة (التغامض) وعدم الانتماء الى طين الشعرية العراقية المفخور بهموم الناس؛ حتى اذا نضجت التجربة وانتبه الشعراء الى هذا المأزق فضّت الشراكة وتحدّدت أصوات وملامح شعراء هذا الجيل.
قصيدة عواد بقيت محافظة على تميزها حتى بعد ان انتشرت (القصيدة اليومية).
والذي جعلها اكثر ارتباطا بالأرض.. والجمهور وأكثر قربا من الشارع ؛كون تسجيليتها او -أرشفتها للحدث- لم تسقطها في التقريرية أو تسقها إلى السذاجة والتسطيح:
(ثمة حيوانات كثيرة في المزرعة
الجمل غير آبه لحدبته
الخروف الذي ينتظر السكين
الفرس المفعمة بالخيلاء..
الأسد المغرور
الضبع الذي يقتات على الجيف
الثعلب الذي لم تعد حيله تنطلي على أحد
كلهم هناك يتناسلون
ويأكلون بعضهم بعضا بروح ديمقراطية
ونحن نتفرج ونضحك!)
• قصائد كثيرة مفعمة بالشجن والإبداع والإخلاص إلى التجربة ألقيت في أمسية الخميس الماضي؛ ورسّخت لدي الثقة بعافية الجيل السبعيني؛ وبان تعدد التجارب فيه هي فسيفساؤه الأحلى.
.. عواد ناصر: أشكرك..أشكرك بشكل حقيقي؛ لأنك شاعر حقيقي.