خبر طريف قرأته مؤخرا يفيد بان (زرافة) قد استنفرت جهاز الشرطة بكامله في مدينة (ايمولا) الايطالية بعد ان هربت من سيرك وسط المدينة وتسببت في ارباك لحركة السير وذعر بين السكان المحليين , وأضرار في السيارات وبعض المحال ومقاهي الرصيف ؛ لتتمكن قوات الشرطة من السيطرة عليها بعد مطاردة امتدت إلى اكثر من ثلاث ساعات.
في داخلي ضحكت كثيرا؛ زرافة واحدة تستنفر جهازا كاملا لشرطة مدينة ايطالية!! ومن يدري فربما تم تكريم الجهاز بعد إلقاء القبض على هذا الحيوان المسكين الذي نضرب به المثل في العراق؛ فحين نريد أن ننتقص من شخص طويل القامة لكنه قصير العقل نقول: «اتركوه.. جنّة زرافة»!!
.. ذكرتني حادثة الزرافة ومطاردة الشرطة لها وتناقل وسائل الإعلام الخبر؛ بـ(أولاد الخايبة) من منتسبي شرطتنا العراقية الذين لا يطاردون الزرافات في طول وعرض الوطن الجريح؛ ولا يقتصر وقت مطاردتهم على النهار فقط ؛ وانما هم في سباق مرعب مع القتلة والظلاميين من حملة الأحزمة الناسفة وأصحاب السيارات المفخخة ومحترفي المسدسات الكواتم.. وطالما قدموا أجسادهم دروعا لحمايتنا في حوادث بطولية لا تظهر إلا في أفلام هوليود؛ حين تريد أن تظهر بطولة الجندي او الشرطي الأميركي!!
لا ادري أي بلد (متحضر) ذاك الذي أعطى حق التقاعد لمعلمي المدارس الابتدائية بعد خمس سنوات من الخدمة؛ والسبب – كما تقول لوائحهم – ان خمس سنوات مع الأطفال وبتماس يومي كافية لاستهلاك كل عطاء المعلم وإمكانياته الذهنية!
.. طيب؛ هذا اذا اشتغل الانسان مع عالم البراءة المتمثل بالأطفال (وبالتأكيد فأن أطفالهم ليسوا كأطفالنا المساكين الذين لا صيفهم صيف ولا شتاؤهم شتاء) ولساعات معدودة في اليوم؛ فكيف بمن يشتغل في الشارع 24 ساعة ولخدمة تمتد لأكثر من ربع قرن؟
أليس لهم الحق على الدولة او الحكومة او القيادة العامة او الوزارة المعنية بأن ترأف بحالهم وتراعي ظروف عملهم المرعبة ؛ فتعطيهم شيئا من الإنصاف؛ بعد ان غسل الجميع ايديهم من الرواتب المجزية او الحوافز اللائقة بجهادهم البطولي.
اعود الى سبب مقالي الاساسي وهو موضوع الشرطة الوطنية أو الشرطة الاتحادية او الشرطة بشكل عام ؛ فكل مواقعهم تستحق الاكبار والتقدير ؛ هناك نظام إداري متبع يطلقون عليه تسمية 14 في 7؛ يعني ان يبقى المنتسب في الشارع 14 يوما متواصلة ليرتاح بعدها سبعة ايام؛ ولنا أن نتصور أي تركيز يبقى للمرء إذا استمر بدوام روتيني قاتل 14 يوما متواصلة وبظروف عمل أيسرها حرّ العراق اللاهب وبرده القارص؛ فضلا عن مسؤولية المنتسب بمواجهة الموت اليومي المتربص به وبنا جميعا.
مقترح لا اعرف امكانية تنفيذه إداريا لكنني اعرف تلك الإمكانية إنسانيا، وهو ان يصار الى 5× 5 مثلا؛ او اي اجراء يتيح للشرطي المجاهد ان يقدم أقصى ما لديه من انتباه ووعي وحماس أيضاً؛ عسى ان يأتي اليوم الذي نحتفل فيه جميعنا بتكريم الجيش والشرطة والقوات الامنية الاخرى في ذكرى انتصارنا على الإرهاب ومن يدري ربما نترك شرطتنا تتفرغ لمطاردة الفيلة بدلا من القتلة.