كان محمد بن ظاهر بن علي بن عمر بن يعقوب بن عبد الله الذهبي، اعلم علماء عصره في الكتاب والحديث والفقه.. وأكثرهم دراية بالقضاء، الى جانب عناية كبيرة في الادب ، وقد طلبه الخليفة لتولي منصب قاضي بغداد، بعد ان كثرت شكاوى الناس وتظلماتها.. غير ان الرجل اعتذر مرة ومرتين وثلاثا حتى ضاق الخليفة ذرعا به، فاستدعاه الى دار الخلافة وهو شبه غاضب وسأله (ما الذي يحول بينك وبين طلبنا، اهو لين الخليفة ام اعوجاج فيه ؟!) فرد عليه (عافاك الله وايدك بتوفيقه، لا هذا ولا ذاك، ولكن بغداد ام العلماء والفقهاء، وفيها مئة قاض وقاض، أجدر بولاية القضاء) قال الخليفة (والله يا رجل ما اخترتك عن هوى في نفسي، وإنما هي مشورة استشرت بها اهل الرأي والعلم والفقه، فما رأيت أحداً اشار علي بغيرك، فهل ترى حكماء امتي يجمعون على امر واخرج عليه .. لا والله)، أجابه الذهبي (بل الرأي ما رأت الأمة، غير ان لي شروطا) قال الخليفة منزعجا (هل ذهب الظن بالذهبي ان يدنا شحيحة ، ام انه يرغب في مزيد من العطاء؟!) رد عليه (معاذ الله ان اكون كذلك، وما احوج مولانا الى الاستغفار عن سوء الظن) سأله الخليفة (وما قولك فيمن يفرض شروطه ؟! ) رد عليه ( لو استوضحت قبل ان تتهم لأدركت مرادي)، قال الخليفة: (أصبت يا رجل، اسمعها وأنا موافق عليها، وان شئت سأوافق من دون سماعها) أجابه (بل تسمعها يا مولاي ثم ترى، فلعل فيها، او من بينها، ما يمنعك!) قال الخليفة: (هات ما عندك).
قال الذهبي (شروطي أربعة ليس سواها، أن لا أتقاضى راتبا أو تصلني هدايا ، ولا يشملني الخليفة بالكسوة، ولا يخصص لي حمارا، ينقلني وعبدا يقوم على خدمتي، وان لا تسألني عن أسباب ذلك) بهت الخليفة وأخذته الدهشة، وهو يسمع شروطا تضر بصاحبها وكان يظن به الطمع، ثم قال (لقد رأيت منك أكثر مما سمعت، لك ما تريد ، وان خالف ما نريد ، باشر عملك على بركة الله).
وهكذا تولى الرجل امر القضاء عاما كاملا، ساد فيه العدل وردت المظالم، ومع مستهل العام الجديد اشتكى رجل من عامة الناس على صهر الخليفة، لأنه استولى على بستانه غصبا، ودفع له مالا دون ثمنها واستحقاقها، ولم يتردد القاضي عن اعادة البستان الى صاحبها، والامر بحبس المغتصب ستة اشهر، وحين وصل الخبر الى الخليفة، ثارت ثائرته واستدعى الذهبي، وهو يكاد ينفجر غيظا حتى اذا مثل امامه، سأله غاضبا (ما فعلت يا قاضي بغداد؟!) رد عليه (لم آت فعلا يغضب الله!) وسأله من جديد (هل كنت تعرف ان الرجل الذي اودعته السجن هو صهري؟)، أجابه ( نعم.. ولن يغادر سجنه الا بعد انقضاء المدة)… وبلغ الغضب بالخليفة مبلغه (اية جرأة تدفع بك على الإتيان بفعل لم يأت به احد من قبلك) رد عليه ( وهل كنت يا مولاي سآتي هذا الفعل وامتلك الجرأة لو قبلت عطاياك؟!) تذكر الخليفة قضية الشروط وأدرك سرها، فبكى حتى اخضلت لحيته وقال (اصبت يا رجل ، فما شيء مثل عطايا الخلفاء، افسد العلماء والقضاة والشعراء، امض في حدود الله ولو كانت في شأن من شؤون الخليفة). وعلى ما بلغنا من هذه الحكاية التراثية ، ان الذهبي داوم على القضاء عشر سنوات لم تقع فيها مظلمة إلا ردت ، ويوم واتته المنية خرجت بغداد عن بكرة أبيها لتودع الرجل الى مثواه الأخير وما زالت الناس حتى يومنا هذا تذكره بالخير والمعروف، وتدعو له بالرحمة، فقد كان على ما يروى آخر القضاة الذين رفضوا العطايا ، وخرجوا عن طاعة الخليفة إلى طاعة الله!!!