قبل أسابيع قليلة مضت، نشرت ضمن هذه الزاوية مقالة تحت عنوان (واضح)، تحدثت فيها عن التوجيه الصادر عن وزير الإعلام  (…….) والقاضي بمنع الكتابات النقدية الساخرة، ولأنني ارتبط بعلاقة عمل  اعلامي قديمة، فقد استثمرت هذه العلاقة وزرت الرجل في مكتبه، وتمنيت عليه ان يعيد النظر في هذا التوجيه ، لانه يسير في اتجاه معاكس لطبيعة المسيرة الاعلامية في العالم ، وتكلمت بهذا الشأن كلاما طويلا عريضا، خاصة وانني شخصيا  مع الأستاذ داوود الفرحان في مقدمة المتضررين، كان الرجل مصغيا وأنا انظر ما طاب لي من التنظير، حتى اذا انتهيت من ثرثرتي ، قال لي ما معناه ، ان كلامي كله لا معنى له ولا فائدة منه، لان صدام حسين لا يوافق على الكتابات النقدية الساخرة ثم ختم عبارته المقتضبة بمفردة واحدة (واضح)، وترجمتها، أن الكلام في هذا الموضوع قد انتهى، وان ما يراه صدام حسين غير قابل للتفاوض او النقاش، لأنه امر واجب التنفيذ!!

وهكذا فعلت مفردة (واضح) فعلها السحري بحيث انتقل الحديث فجأة الى وجهة أخرى، فقد سألني الرجل أكثر من سؤال مفتعل حول ملاحظاتي عن المطبوعات العراقية والاذاعة والتلفزيون وكيف يمكن النهوض بها، ولقناعتي الاكيدة انه لم يكن يستمع لي، على الرغم من انه كان يهز رأسه  تأييدا، فقد اخذت حريتي  في رسم الصورة الوردية التي أتمناها لوسائل الإعلام وما يجب ان تكون عليه، وكأننا في ظل حكومة الرفيقة  تاتشر، ولكنه فجأة سألني سؤالا جادا، وارتسمت على ملامحه سيماء الاهتمام حيث قال لي: انه محرج جدا لان احد أصدقائه ألف كتابا حول مفهوم العلاقات الأسرية في فكر القائد وحيث اطلعت عليه ، وجدت انه كتاب مفيد وبالغ الأهمية، وقد كلفني ان أساعده على طبعه، والمشكلة إنني لا ادري أين أطبعه بعد ان وعدت صديقي خيرا ، فماذا اعمل؟ هل تعرف احدا من اصحاب المطابع؟ سأدفع اجور الطبع من جيبي وامري الى الله!!

ثمة اشياء نصادفها في حياتنا غير قابلة للتصديق، كانت (حيرة) الوزير في طبع كتاب واحدة من أكثرها صعوبة على التصديق، أجبته، وانا غير واثق ما اذا كان الرجل يمزح (سيادة الوزير … بإمكانك إرسال الكتاب الى دائرة الشؤون الثقافية، مع توصية منك، وهي دار حكومية تتولى طبع الكتب، وتدفع للمؤلف أجور التأليف، فتح الرجل عينيه على سعتهما ووجهة يتصبب فرحا وكأني أزف له بشارة فوز المنتخب العراقي على البرازيل بهدف نظيف!! ويبدو أن فسحة الفرح  الأولية قادته الى فسحة أوسع، حيث عاد يسألني من جديد (من هو مديرها العام؟) نقلت له (فلان ابن فلان) ، وفي غمرة حماسته نسي منصبه، وقال لي بنسوة المنتصر (عظيم … فلان ابن فلان كلش خوش ولد .. وصديقي !)

كنت وانا استأذن بالمغادرة شاكرا الرجل على حسن استقبالي ـوعلى صراحته في الكشف عن المسؤول الذي يقف وراء حجب النقد الساخرـ طافحا بالحسد، فقد كان المفروض ان اكون انا وزيرا للاعلام، لكوني في الحد الادنى اعرف دائرة الشؤون الثقافية، واعرف مديرها العام، ولكن حمدا لله ان ذلك لم يحصل، فإذا لم يتول صدام حسين مهمة اجتثاثي، فان حكومة العراق الجديد ستتولى المهمة!!

التعليقات معطلة