لشط العرب أسرار غامضة يخبئها ليل البصرة المدفون في ذاكرة الطين والماء, ولضفافه الطويلة مرايا تعرض على صفحاتها ملامح الصراع التاريخي المتعاقب للاستحواذ على السيادة الملاحية في مصب الميزوبوتاميا, وتعكس ملامح المرافئ المبنية بخشب الساج, فنلمح على انعكاساتها تغير مراحل الزمان من حال إلى حال, ونقرأ على واجهاتها المينائية شواهد الأحداث التجارية وتقلباتها, فالطريق الملاحي من نهر كتيبان إلى خور العمية يزيد على مسافات الوجع الممتد من الفاو إلى الكويت, في مفاوز مفتوحة تقطع فيها السفن والقوارب ممرات متعرجة, تشتمل على اعقد المسالك الملاحية الحرجة الممتلئة بأسرار وألغاز واحجيات, لا يملك مفاتيحها إلا من كان على شاكلة سحير الليل, أو على شاكلة النوارس السومرية, التي حملت على عاتقها وصايا جلجامش في ملحمته الملاحية المتجددة منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى يومنا هذا, وربما صرت أنا النسخة الأخيرة من هذا الطائر المحلق ليلا بين المعقل والخفقة, حتى ارتبط مصيري المهني بالسفن والمراكب الماخرة وسط هذا النهر العربي الاسم العراقي المولد .
منذ زمن بعيد وأنا أبحر وحدي بسفينتي, امتطي عباب البحر في الظلام الدامس, اندفع إلى الأمام مثل شظية قفزت من الماء وتكورت في انتفاخات الأشرعة المعبئة برياح المدن الغائرة في جوف التأريخ, اعتلى سواري العتمة بأمراس فتلتها حوريات البحر بزعانفها البلورية, لأكتب من هناك حكاياتي العجيبة مع النهر الخالد بعيون مجهدة مملوءة بالأرق.
منذ نصف قرن تقريبا وأنا أقود قوافل السفن الغريبة, فأرشدها ليلا نحو موانئ البصرة وسواحلها المسحورة. كان الليل بالنسبة لي هو الزمن المثالي لأداء طقوسي السومرية في شط العرب, وكان الوقت الملائم للإبحار عبر ممراته الضيقة.
في لجج الظلام اسمع من بعيد ترانيم قداس مندائي يحتفي بمواكب المياه والنجوم وكأنه يريد أن يطهر سواحلنا من آثار القوارب الهمجية, ويستقبل ثيران أنكيدو بأجنحتها البابلية وقوائمها الخماسية وهي تعبر النهر بلا اكتراث في طريقها لتناول العشب الملكي من منابع (شلهة الصيادين), فتواصل العوم مع التيار في موجات مباركة تعانق الماضي البريء.
كم كانت قاسية معي قوارب الصيد المتناثرة بين (الفداغية) و(المعامر) فقد أبت أن تتركني وحدي اقطع منعطفات (القصبة) وأعبر حواجز الليل البهيم باتجاه الفاو من دون أن تزعجني بشباكها المتشابكة المبعثرة هناك بين الضفة والضفة.
كانت ساعات النهار المشرقة في نظر الطواقم الأجنبية هي الأوقات المثالية للاستمتاع بما تحمله ضفاف النهر من مناظر خلابة تنعش القلوب, حيث البساتين الوارفة الظلال, والحدائق المزدانة بشذى الأزاهير الجميلة, وأشجار النخيل المتسامقة القوام لتضفي على غاباتها الوارفة لمسات فردوسية تحلق على عروشها طيور الجنة.
أما أنا فقد اخترت الإبحار بسفينتي بين الغروب والشروق, فالليل وحده يفجر مهاراتي الملاحية المخزونة في تلافيف روحي المشفرة بأسرار النجوم والكواكب, وسكون الليل يظهر مواهبي القيادية أمام طواقم السفن التجارية, فيحولني إلى مارد سندبادي اعتمر عمامة شهاب الدين أحمد بن ماجد, وأتدثر بعباءة النوخذة جاسم القطامي لأقتفي أثر ليوث البحار والمحيطات.
الليل وحده يضعني في طليعة القوافل التي مرت بأبولوجوس في طريقها إلى خاراكس, ويمنحني زعامة مطلقة على المسطحات المائية الممتدة من مآذن الخورة إلى فنارات (الروكا) في الوقت الذي يغط فيه سكان مدينة الفاو في نومهم العميق خارج ضواحي المدن العراقية التي أرهقتها النزاعات السياسية العقيمة.
أحيانا تمنحني الشاشات الرادارية الرقمية المثبتة في قمرات السفن التجارية قدرات استثنائية رائعة لرصد ما لا تستطيع العين المجردة رصده, وتمنحني النواظير الليلية قدرات فائقة لاستكشاف مسالك النهر البعيدة وجزره الراقدة في أحضان أم الرصاص, فتنساب السفن فوق سطح الماء, لتشق طريقها ضد التيار عبر المنحنيات الحرجة من دون أن يعيقها حجمها الكبير, ومن دون أن يحرجها بدنها المغزلي الديناصوري المثقل بالبضائع المتنوعة والحاويات الصندوقية الملونة المشدودة على ظهورها بأسلاك الفولاذ وأقفال الحديد.
أنا الآن أرمي مرساة سفينتي المرهقة بجوار رأس البيشة بين أشلاء السفن التي أغرقتها متوالية الحروب الطائشة, لا ابعد كثيراً عن مقتربات مياهنا الإقليمية, أردد بصوت خافت مواويل الأزمنة الغابرة, ثم ارفع عقيرتي بالبكاء والصياح, فأصيح بالخليج: يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى, فيرجع الصدى كأنه النشيج, يا خليج يا واهب المحار والردى.