خطوة تستحق التقدير أقدمت عليها نقابة الصحفيين، عبر دأبها على تكريم (الرواد) بمبلغ رمزي، لا أهمية مادية له، بقدر دلالته الاعتبارية، وهذا امر جميل في زمن التردي والمال الفاسد الذي يحكم المرحلة، وكأن النقابة أرادت ان تقول: رواد الصحافة يعبرون عن اعلى صور النقاء والنزاهة والنضال، ولا نريد افساد ضمائرهم، فما شيء في الحياة يفسد ضمير الشريف والمناضل مثل المال (بيني وبين نفسي تساءلت: لماذا يتقاضى كبار المسؤولين في البلد راتبا شهريا، يصل الى ثلاثين مليون دينار، وكثير منهم لم يتخط الاربعين من رفاهية العمر، بينما يتقاضى (الرائد) الصحافي مبلغ نصف مليون دينار فقط، ولمرة واحد في حياته عند بلوغه السبعين من المتاعب، وتمنيت في سري لو ان النقابة افسدت ضمائر الصحافيين بمبلغ ثلاثين مليون دينار، ما دام فساد البلد قد وصل إلى الهامة لأن النزيه الوحيد بين الفاسدين، هو الفاسد الوحيد، علما بأن هذه الافكار والامنيات ليست للنشر!) مرةً اخرى اصفق للنقابة، ولكنني اتساءل بقلق عن مفهومها لمفهوم (الريادة)، فهل بلوغ السبعين يجعل الصحفي رائدا؟ وإذا كان الامر كذلك فعلينا اعادة النظر في المفهوم العام للريادة، لأنه على وجهة نظر النقابة، يقتضي سحب صفة (الرائد) عن بدر شاكر السياب مثلا لكونه توفي وهو دون الأربعين، ويسري قرار السحب على جواد سليم، وعلى مئات الرواد في شتى المجالات، ممن لم يبلغوا السبعين!! ثم ألا يعني هذا المفهوم، ان خطوة التكريم التي أقدمت عليها النقابة مشكورة، لا علاقة لها بالرواد من قريب او بعيد، وإنما يراد بها من الناحية العملية تكريم (السبعين) وليس (الرائد)، وهذا يعني كذلك أن صحفيي العراق، الرائد منهم والمقدم والشرطي والعريف بلا استثناء، هم (رواد) ومشمولون بالريادة، وما عليهم الانتظار قطار السنوات، وليس ادل على ذلك، أن مواليد 1942 أصبحوا روادا في عام 2012، ومواليد 1943 اصبحوا هذه السنة روادا، وفي العام المقبل 2014، سيصبح مواليد 1944 روادا، ومواليد 2003، سيصبحون في عام 2073 روادا، وهكذا، فهل يخبرني احد لوجه الله، ما هو الفرق بين الرائد وغير الرائد ؟ وهل يختلف قانون (الريادة) في مفهوم النقابة عن قانون (الترفيع والعلاوة) في سلم الدرجات الوظيفية، واتساءل أخيرا لماذا اختيار هذه السن بالذات (70 سنة) وهي في العراق الجديد من أرذل العمر، ومنذور للعذاب من يبلغ عتبتها، ومع ذلك لا اعترض على هذه الخطوة، ولكنني ادعوا أصحاب الشأن من الزملاء المعنيين في النقابة، ان يدرسوا قضية أكثر جدية ونفعا للعمل الصحفي، وهي (تكريم المبدعين) الذين تنطبق عليهم مواصفات الإبداع لا مواصفات السن، وعلى وفق معايير علمية حقيقية بغض النظر عن عمر المبدع في العشرين أم في التسعين، وحبذا لو تم التخلي عن (النصف مليون) إلى تكريم منطقي، كأن يكون قطعة ارض على ضفة دجلة أو تزويج الصحفي من إعلامية مبدعة على ان تكون حلوة، فقد بدأنا والله نستحي من تكريمات المعونة والمساعدة والمنحة والمخجلة!!

التعليقات معطلة