ربما …. وربما هذه في لغة السياسة والسياسيين هي طريق للـ(نعم) مثلما هي طريق للـ(لا) في نفس اللحظة، اذن هي تشبه (أي ربما)- الى حد ما- اللون الرمادي (الرصاصي) الذي قد يتحول الى اللون الأبيض أو اللون الأسود بسهولة ويسر، فهو (أي اللون) مثلما (أي ربما) حيادي، بل حيادي جدا … وقبل ان أقص عليكم حكاية الباشا ومعطف الفرو التي ربما سمع بها من عاش أو تابع حياة السياسة في عراق العشرينات وما تلاها من فترات، وربما لم يسمع بها الكثير ممن يحيا معنا الآن… أود أن أذكركم بأن السياسة فن وليس علما صرفا كما يتوهم البعض.
القصة هي … هكذا -بمعناها- كما وصلتني من أحد الأصدقاء، حين وجدتها تتوسد بريدي الالكتروني، قبل أيام وكل ما قمت به ايصالها للقراء محبة واعماما للفائدة هو مجرد تقديم وتأخير -ليس الا- بطريقة السرد التقليدية التي اتبعها صديقي دون حياد أو موضوعية لأسباب انفعالية بحتة… واليكم فحوى الحكاية؛ في شتاء أحد أيام خمسينيات القرن الماضي كان الجو قارصا جدا، عبرت سيارة رئيس الوزراء (نوري باشا السعيد) جسر الأحرار من جهة الرصافة متجهة صوب الكرخ، فشاهد في منتصف الجسر المذيعة (صبيحة المدرس) وكانت اسما معروفا حيث تعمل في اذاعة بغداد -وقتذاك- وهي تعبر الجسر مسرعة مشيا على الأقدام، ناداها باسمها، فقالت له بعد سألها: أنها ذاهبة الى دار الإذاعة فوقت برنامجها سيبدأ بعد قليل، لكنه باغتها قائلا: أن ملابسك لا تتلاءم مع الجو البارد وألاحظ -والكلام لم يزل للباشا- اكتفاءك بارتداء (بلوزة) فوق ملابسك فقط، وهذا لا ينسجم مع طبيعة الجو البارد الذي يقتضي التحسب له، فعقبت (صبيحة) بالقول: (قابل عندي معطف فرو حتى البسه!!) فهم (الباشا) المغزى من تعليقها وأجابها باللهجة البغدادية المحببة: (يا منعولة الوالدين) ثم قام بإيصالها الى مقر عملها بالإذاعة ومضى رئيس الوزراء في سبيله.
***
ولمن يتساءل عن موضوع معطف الفرو الذي أشارت إليه المذيعة المذكورة، تقول الحكاية ان (نوري السعيد) قد عاد من العراق -قبل أيام- وجلب معه ذلك المعطف هدية لزوجة أبنه (صباح)، فقامت قيامة المعارضة -حينها- في صحافتها عليه، تجدر الإشارة بشهرة تلك المذيعة في الأوساط الاجتماعية بقفشاتها وهجومها المتواصل أينما وجدت على رئيس الوزراء وهو يعرف بذلك ولكنه كان يتغاضى بحكم وحكمة ما عرف عنه من سعة صدر ودهاء مشهود بحقه، وها نحن نقترب من نهاية هذه الحكاية لا يسعنا الا ان نذكر لكم بما قام به (الباشا) في اليوم التالي من لقائه المذيعة فقد اتصل مدير الدعاية العام (خليل إبراهيم) بمدير الإذاعة (مدحت الجادر) وسلمه مبلغ (خمسة وعشرين دينارا) لإيصالها الى (صبيحة المدرس) هدية من رئيس الوزراء لغرض شراء(معطف فرو) لها…لا تعليق طبعا … يا جماعة الخير !!