واحدة من أكثر المفردات شيوعا في العصر الحديث، هي الثقافة، ومع ذلك فإنها تمثل إشكالية كبيرة عندما نحاول تأطيرها في مفهوم محدد، حيث ما زلنا نتردد في توصيف (حاملها)، اعني المثقف، ونثير حوله العديد من الأسئلة، هل هو مثلا من يقرأ ويكتب، ام صاحب الشهادة العليا؟ هل هو من لا يغادر المكتبة المركزية أم الذي يبدع في الفن أو الأدب او أي علم من العلوم الأخرى؟ وهل الرسامون والشعراء والموسيقيون و.. و.. مثقفون بالضرورة؟
تشير بعض الوقائع، إن رجلا أميا قادما من مضايف الريف، يمكن أن يكون قادرا على مواجهة أقسى المواقف، ويستوعب أصعب المشكلات، ويخرج منها بأفضل الحلول، في حين يعجز عن ذلك أستاذ جامعي مرموق في الفلسفة او علم الاجتماع او الادب، ذلك لان الأول مزود بثقافة حياتية شاملة، ورثها عن بيئته واختلاطه ومضيفه، اما الثاني بثقافة الكتب والنظريات والبحوث، ولكنه لم يعرف يوما الطريق إلى السوق او المقهى او الشارع او الناس، ومن هنا يذهب عدد من المفكرين الى القول: ان الثقافة (سلوك) باوسع دلالات هذه المفردة ومعانيها، ويراد به عموما، طبيعة النظرة الى الحياة والآخرين، وكيفية التعاطي مع المفردات اليومية، صغيرها وكبيرها، على ان اغلب الآراء المعاصرة ترى في الثقافة نظاما حياتيا شاملا للفرد والمجتمع، وتندرج تحت هذا الرأي جملة من العناصر المتلازمة، في مقدمتها هوية النظام السياسي والموروث الحضاري والتراث الشعبي والمناهج الدراسية والتربية الأسرية والمحيط الاجتماعي..الخ.
وبغض النظر عن اللهاث، وراء تعريف علمي جامع مانع، تبقى الثقافة اشكالية معاصرة، تستدعي المزيد من البحث، وربما لهذا السبب كثرت حولها التقسيمات والتوصيفات والمسميات، فهناك ثقافة العرب والغرب، وهما ثقافتان من حيث السلوك والنظرة الى الحياة والعادات والتقاليد، متناقضتان تمام التناقض، ولذلك يقال من باب المديح او الاستهزاء:
فلان ثقافته أجنبية وهناك الثقافة العامة التي يلم صاحبها بطرف من كل شيء، والثقافة الخاصة التي يقصد بها في العادة أصحاب المهن المتخصصة، كالطبيب والعسكري والمهندس والمحامي، وثقافة النوع، كالثقافة الدينية او الجنسية…الخ، وقلة قليلة من الناس هي التي تستحق لقب (المثقف الموسوعي)، ويلاحظ أن مفردة الثقافة، بدأت تستعير الكثير من لغة العصر، بحيث بتنا نسمع مثلا ثقافة القتل او ثقافة الاستقالة او التسامح، وبحكم قابلية هذه المفردة، على التمدد والاتساع بات من الطبيعي ان نقول عن هذا الشعب تسوده ثقافة الكرم أو البخل او الشجاعة او الجبن، مثلما بات من الطبيعي الحديث عن ثقافة أي نظام، من ذلك على سبيل المثال، النظام العراقي فهذا الطرف يقول انه قائم على ثقافة (الكرسي)، والطرف الآخر ـ وهم الاكثرية ـ يرى انه قائم على ثقافة (المغانم)، وأنا لست مع الطرفين!!