من حصاد الخراب في البلاد الفساد المالي والإداري الذي أزكمت رائحته ليس أنوفنا وإنما تعدتها إلى العالم الذي بات يضعنا في مقدمة البلدان الأسوأ وفق المعايير الدولية المعتمدة ،وهو تقييم كما يبدو مازلنا نحافظ عليه ولا نريد مغادرة مقعده، ولعل ما أشارت اليه لجنة النزاهة النيابية في برلماننا العتيد حين أكدت أن « هناك أكثر من 19 ألف ملف عن الفساد أمام هيئة النزاهة» ،هو قليل من كثير مازال تحت العباءة لم يعرف بعد ، عن غيلان النهب لثروات الوطن والمواطن، الذي بات مطحونا ويعاني الأمرين من أزمات تتوالد حتى تكاد تحيله إلى حطام .
ما أوردته لجنه النزاهة عن الفساد يبقى مؤشرا لحقيقة مؤلمة ومرعبة ولكن الشعب يعرف هذا وأكثر ،بل ان العالم اجمع يعرف، ان النهب في العراق يرتدي في الكثير من الحالات ثيابا قانونية ،ويمرر تحت مسوغات شتى ، اسألوا الصناعيين ورجال المصارف ،والعاملين في المقاولات ،ومستوردي الأغذية والأدوية والسيارات ،وحتى أولئك المقيمين في الصين ،وهم يوردون حاويات الملابس والأجهزة الكهربائية من الدرجة العاشرة ،كيف تجري المعاملات ،وما هو حجم التوريق بـ» الشدات « الخضر ولجيوب من تذهب ،حتى التعيين والتوظيف ولو بعقد مؤقت بات له ثمن ، لدرجة بات الواحد منا يستغرب اذا ما ظهر اسمه على لائحة التعيينات وهو لم يتوسط او يدفع لهذا او ذاك ممن سهل الأمر!! بل وتأكله الدهشة ان وضع « بسطية» على الرصيف وبقي محافظا على مكانه يوما واحدا ،ان لم نقل ساعة ،ما لم يكون قد اشترى هذا المربع من الرصيف.
ان الفساد متنام ومتصاعد ومستشر في اغلب مفاصل حياتنا مما هدد ويهدد القيم والأعراف والسلوكيات النبيلة التي عرف بها مجتمعنا رغم الكثير من الهزات التي تعرض لها ، فما نعيشه اليوم ونتنفسه من مواقف وسلوكيات غير مكتوبة ولكن متفق عليها كتحصيل حاصل تمثل تدهورا خطيرا لابد من معالجته معالجة جذرية ،فليس المهم التعداد الرقمي وإحصاء نوع وشكل ملفات الفساد على أهمية التشخيص، بل ان المهم والأكثر أهمية هو ملاحقة هذه الملفات ومحاسبة الفاسدين والمفسدين حسابا حقيقيا لا حسابا تلفزيونيا ..
وللحق نقول ان الشرفاء من ابناء هذا الوطن المبتلى كثيرا ما صرخوا واحتجوا وطالبوا وقدموا الوثائق التي تثبت تورط من تورط ولكن الحصاد خائب وبقي حصادا خائبا بامتياز لان قبضة الفساد والفاسدين والمفسدين بقيت الأقوى واسألوا فقط عن الوزراء ولا نقول المدراء او غيرهم ،الذين غادروا، وغادرت قبلهم أرصدة خرافية نهبت تحت لافتات مختلفة من أموال الشعب كيف يعيشون اليوم في عواصم الغرب.
التعليقات معطلة