يخطئ من يظن أن اللجنة الخاصة التي أعادت تشكيلها مؤسسة السجناء السياسيين منذ شهرين في البصرة, والتي باشرت أعمالها في اليوم الرابع من الشهر الثاني من عام 2014 هي التي تسببت في تعطيل معاملات المعتقلين والسجناء السياسيين, ويخطئ من يظن أنها لم تتفاعل مع حقوق الناس ولم تعبأ بهم, وليس من الإنصاف أن نُحَمِّل هذه اللجنة, التي تأسست منذ شهرين مسؤولية الإخفاقات المتعاقبة في انجاز هذا الكم الهائل من الملفات المكدسة على رفوف التأجيل منذ ما يزيد على خمسة أعوام, أو أكثر.
لا ريب أن الحديث عن المعاملات المعطلة ذو شجون, ويستدعي العودة إلى الزمن الذي تأسست فيه مؤسسة السجناء السياسيين عام 2007.
كانت المعاملات المُنجزة في المحافظات ترسل في السابق إلى بغداد, لغرض المصادقة عليها من قبل القاضي (أحمد الساعدي), الذي انيطت به مهمة حصرية تستوجب دراسة المعاملات المرحلة من المحافظات إلى العاصمة بغداد, بمعنى أن آلاف المعاملات والملفات, ومعها أطنان من الوثائق الثبوتية والمستندات الرسمية, تتدفق شهرياً من المدن العراقية, وتعرض على رجل واحد, ويتعين على هذا الرجل دراستها كلها, والبت في أمرها, والمصادقة عليها بعد مراجعتها وتدقيقها.وهكذا سارت السياقات الإدارية المملة على هذا المنوال البطيء منذ ذلك الحين وحتى الشهر الحادي عشر من عام 2011, وهو الشهر الذي تأسست فيه أولى اللجان الخاصة, وكان يديرها قضاة من البصرة, هم على التوالي: الدكتور فلاح حسن التميمي, وأحمد خلف, ومحمد زاكور, ومؤيد الشاوي, وأياد الساري, وماجد كاظم بريدي.
أتمت اللجان السابقة أعمالها على الوجه الأكمل للمدة من عام 2012 إلى عام 2013 وأنجزت حوالي (2539) معاملة. أي ما يعادل أضعاف أضعاف المعاملات المُنجزة للمدة من عام 2008 ولغاية عام 2012. وهنا لابد من التذكير أن المعاملات رفعت كلها إلى بغداد, ولم يحسم أمر معظمها حتى الآن. استمرت اللجان في أعمالها حتى يوم الحادي والعشرين من الشهر العاشر من عام 2013, وهو اليوم الذي انتهت فيه مهمات القضاة, بعد استبدالهم بالحقوقي (السيد جليل باشاغا زبون), الذي انيطت به مهمة رئاسة اللجنة الخاصة, المؤلفة من عضوية ممثل وزارة الداخلية (العقيد نجم بادي منشد), وممثل وزارة المالية (السيد علي عبد لازم), واثنان من السجناء السياسيين, هما السيدان (علي سوادي محمد), و(راشد محسن أحمد).
تحددت أعمال اللجنة الجديدة بالإجراءات الرسمية التالية:-
• تعرض اضبارة السجين أو المتعقل السياسي على اللجنة, وترفق معها الأوراق والأدلة والمستندات.
• يتم استجواب صاحب الطلب وجها لوجه في مقر اللجنة الكائن في شارع أجنادين بالمعقل.
• تستمع اللجنة إلى شهادات الشهود.
• تصدر اللجنة قرارها بعد دراسة مستفيضة للأوراق والأدلة والوقائع المثبتة أصولياً, عندئذ تقرر اللجنة فيما إذا كان صاحب الطلب سجيناً أو معتقلاً سياسياً, مشمولاً بقانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006.
باشرت هذه اللجنة أعمالها منذ شهرين, ونجحت في تدقيق ودراسة معاملات السياسيين والمعتقلين, فعملت بأثر رجعي راجعت فيه المعاملات المؤجلة منذ السنوات التي شهدت التلكؤ والإهمال, فوصلت حتى الآن إلى تدقيق معاملات المعتقلين والسجناء المرفوعة في الشهر السادس من عام 2008, ومعاملات كبار السن المرفوعة عام 2010.
ما يعني أن التعطيل والإهمال القديم وقع فوق رأس اللجنة الجديدة, وهي التي انبرت وحدها لهذه المهمة الثقيلة, فعادت في البحث والدراسة إلى ما قبل عام 2009. وبالتالي فأن مهمتها لا تخلو من الأعباء المتراكمة, ولا تخلو من الصعوبات الموروثة منذ أكثر من سبع سنوات. ترى ما الذي سيقوله رئيس لجنة السجناء السياسيين البرلمانية بعد هذا الاستعراض المقتضب, الذي تأخرت فيه استحقاقات السجناء والمعتقلين والمحتجزين ؟, وهل يتعين علينا انتظار تشكيل البرلمان الجديد حتى تُعرض عليه قضية السجناء السياسيين على طاولة البحث والمعالجة ؟, ومن هو المسؤول عن تأخير معاملاتهم وتعطيلها لأكثر من خمس أو ست سنوات ؟. ختاماً نقول: أن السبب الرئيس وراء تأخير معاملات المواطنين كل هذه السنوات في معظم محافظات العراق يعزى إلى عدم تفرغ أكثر من قاض واحد, وعدم استحداث لجان فرعية لحسم الملفات التي أنجزتها اللجان المتعاقبة, آخذين بنظر الاعتبار أن التعديلات الجديدة لقانون (4) لسنة 2006 ستضيف المزيد من الأعباء والتعقيدات في ظل نقص الكوادر المختصة, ويعزا التأخير أيضاً إلى بطئ إجراءات هيئة التقاعد الوطنية, وهذا ما شكا منه أغلب المشمولين بالقانون ممن أحيلوا إلى التقاعد.أن هذا الأوضاع المزرية لا تتحملها هذه اللجنة, التي تستحق كل التقدير والثناء على جهودها المضنية المبذولة من أجل خدمة الناس, ويتعين على الجهات المعنية الإسراع بتشكيل المزيد من اللجان الفرعية في الأقضية والنواحي البعيدة, ويتعين عليها أيضاً الإسراع بتأسيس قاعدة بيانية كبيرة, تشتمل على مجموعة من الجداول النوعية المبوبة, والمفاتيح البيانية المعززة بالوثائق والمستندات الأصولية, التي يمكن الرجوع إليها من دون عناء لضمان حقوق السجناء والمعتقلين السياسيين, الذين حرمهم الروتين القاتل من أبسط استحقاقاتهم الإنسانية, وحرمهم التأجيل والتعطيل من أبسط حقوقهم الوطنية.
التعليقات معطلة