حسن السوسي
تعرف كل ممارسة سياسية إنجازات وإخفاقات يكون لها وقعها ومضاعفاتها على طبيعتها على صعيد تحديد أهدافها وتدقيق التكتيكات المتبعة، وطرق التعاطي مع الموارد المادية والمعنوية التي تقتضيها خلال كل مرحلة من المراحل التي تمر بها.
ولعل القدرة على التعامل بإيجابية وإبداع مع الإخفاقات والفشل الذي تصطدم به الممارسة في هذه الفترة أو تلك هو الذي يحدد مدى قدرة القوى السياسية المعنية على التكيف والتأقلم مع كل الظروف الموضوعية التي تفرض نفسها، وتقرر مصير الممارسة السياسية، في نهاية المطاف. 
وفي الواقع، فإن المرونة السياسية واتساع مجال خيارات إعادة تصويب مسار الممارسة والموارد التي يمكن تجنيدها في المراحل الحرجة كلها عوامل أساسية للخروج من دائرة الفشل المغلقة إلى رحاب الإبداع السياسي القادر على صنع واقع جديد ملائم لقوى التجاوز.
غير أن آفة خطيرة تنخر جسم الجماعات السياسية المنظمة في الوطن العربي كما تنخر جسم أنظمته القائمة، وتجعل من المستحيل عليها تجاوز إخفاقاتها وفشلها. وتتجسد هذه الآفة في المحاولة المنهجية الرامية إلى التغطية على تلك الإخفاقات، وعدم الاعتراف بها، أو التقليل من أهميتها في مسيرتها العامة، أو من خلال زعم أنها حققت انتصارات باهرة لا تخفى إلا على الحاقدين أو المتآمرين. والنتيجة المشتركة لهذا النوع من التعاطي مع الإخفاقات والهزائم هي إبعاد أصحابها عن الطريق الكفيل بمعالجتها في جذورها، وتجنيب نفسها أخطار تكرارها. وفي كل الأحوال، فإن هذا النوع من الممارسة يستنجد، على الدوام، بنظرية المؤامرة للإيهام بالخروج من التناقضات والتخبط الذي يميز تعامله مع حالات الإخفاق والفشل.
ويعتمد خطاب نظرية المؤامرة، هذا، على أسلوب التهويل والتضخيم في التعامل مع الأحداث السياسية أو العسكرية التي يكون أصحاب هذا الخطاب طرفاً فيها. فهو يعمد إلى تبني أسلوب التهويل من حجم المؤامرات التي يتعرض لها أصحابه، ويرى أن أهدافها الحقيقية ترمي إلى إنزال الهزيمة الماحقة بهم بغية استئصالهم من الجذور. وغالباً ما يقتنص هذا الخطاب من تصريحات، وبعض كتابات الخصوم والأعداء، عبارات تساعد في تكريس ذاته، وتعزيز منطقه الظاهر على رغم كونه يتعامل مع ما ليس إلا مجرد دعاية أيديولوجية أو سياسية، وما يدخل في نطاق الحروب النفسية المتبادلة بين الأعداء، كما لو أنه كشفٌ لاستراتيجيات تم السهر على بلورتها في مختلف مستوياتها، وتمفصلاتها في دهاليز صناع القرار الاستراتيجي المعادي، ومعدة للتنفيذ على أرض الواقع.
ويعمد هذا الخطاب، في المقابل، وانطلاقاً من اعتماد أسلوب التهويل من حجم المؤامرات وأخطارها إلى التضخيم في النجاحات التي قد يكون أحرزها، مع العلم أنها قد تكون مجرد أوهام في مختلف ميادين ومستويات السجال السياسي أو النزال المسلح مع الأعداء ليستنتج، أنه قد أبلى البلاء الحسن في تلك المعارك، الأمر الذي فوت على الأعداء فرص تحقيق خططهم الاستراتيجية والتمكين من إفشالها بدليل أن الجهة المستهدفة منها لا تزال قائمة الذات وفاعلة على مختلف الساحات.
والواقع أن تدبيج مثل هذا الخطاب الانتصاري الظفراوي، لا يغير من حقيقة الأمور شيئاً، ذلك أنه عملية خداع إرادية لا تنطلي على الأعداء الذين يعرفون جيداً طبيعة وأهداف وحدود استراتيجيتهم في الزمان والسياق المحلي والإقليمي والدولي، في آن واحد، إضافة إلى أن هذا الخداع لا ينطلي على القوى المتنفذة في الجهة التي يصدر عنها هذا الخطاب، والتي قد تكون تلقت ضربة موجعة، لإدراكها في قرارة نفسها، وانطلاقاً من المعطيات الموضوعية والذاتية المعربة بوضوح عن نفسها في طبيعة علاقات القوى بين مختلف الأطراف المتصارعة، أن حقيقة الأمور هي غير ما تعلنه تماماً، بخاصة أن خسائرها المادية والمعنوية على الأرض، والتي تتفاقم بتراكمات مكتسبات الأعداء الملموسة، تظل شاهدة على طبيعة نتيجة المعارك التي تم خوضها، والكفة الراجحة فيها والمصالح التي تمت خدمتها في نهاية المطاف.
ولعل المفارقة الغريبة تكمن في اعتقاد خطاب نظرية المؤامرة أن الفشل والإخفاق مقرونان عضوياً وبصورة ميتافيزيقية متخيلة بالآخر المتآمر، أي أن الفاشل بالتعريف بالنسبة إليه هو الذي يحيك المؤامرات، أما الذي يواجهها فلا يعرف الفشل والإخفاق على الإطلاق، لعلة ميتافيزقية ومتخيلة هي كذلك. وهذا الخطاب لا يكلف نفسه عناء البحث عن تفسير ما للتراجع الذي قد يفرض عليه في الموقع والموقف والسقوف التكتيكية والاستراتيجية معا. إنه يتعامل مع هذه الحقائق، كما لو كانت نوعاً من الهم الذي لا تنبغي إثارته وتحريك مفاعيله معتقداً أنه بهذا السلوك يتجنب المفاعيل والمضاعفات الملموسة للهزيمة التي مني بها، والتي يحاول التستر عليها بمزاعمه حول نجاحاته الباهرة في إفشال المؤامرة التي تم التهويل من حجمها أصلاً، ومنذ نقطة الانطلاق، حتى يتسنى له عندما تهدأ الأمور أن يدبج مثل هذا الخطاب التضليلي الفاشل.
يتجلى تهافت نظرية المؤامرة، وينكشف سخف خطابها التضليلي على أكثر من مستوى على صعيد الممارسة السياسية العينية للحكومات والأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة على حد سواء. ويمكن الوقوف عند عينات ملموسة منها على صعيد الأنظمة السياسية، وبخصوص بعض الأحزاب السياسية في مراحل مفصلية من تطورها السياسي المصيري، حيث لم يسمح اعتماد نظرية المؤامرة باستثمار واقع الفشل للانتصار على أسبابه وتجاوزها لولوج رحاب ممارسة عقلانية للإخفاق والفشل في إطار نظرية للممارسة ترمي إلى أخذ مختلف عناصرها ونتائجها في الاعتبار. وهذا موضوع معالجة أخرى.

التعليقات معطلة