ميثاق مناحي
باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء
لواستعرضنا جل الحركات المتطرفة والإرهابية في العالم العربي والإسلامي لوجدنا أن أكثرها عبارة عن حركات “سنية” متطرفة متشددة تتبع المذهب السني. وأقصد هنا بالحركات الإرهابية، ليست الحركات التي أدرجتها الولايات المتحدة تحت طائلة الإرهاب، مثل حزب الله وحماس وغيرهما، وإنما الحركات العابرة للقارات التي تصدّر قتلها وإرهابها إلى العالم، تستهدف قتل الشعوب وكل من يخالفها الرأي والعقيدة، مثل(تنظيم القاعدة، وداعش، وجبهة النصرة، وجماعة بوكو حرام ..الخ)، وهي عبارة عن جماعات سنية متشددة لم تعد تعترف بالحدود القومية للدول وإنما أصبحت عبارة عن حركات متعددة الجنسية عابرة للقارات هدفها القتل والإرهاب وإقامة الدولة الإسلامية بحكم إرهابي. هذا التطرف الذي أصبح وباءً عصريا يشل كل حركات التقدم ويهدد العالم بأسره، لابد من الوقوف على سبب انتشاره وسبل معالجته.
عزز المتطرفون المحسوبون على السنة من نفوذهم خلال العقدين أو الثلاث عقود الماضية؛ بسبب سوء الأداء الاجتماعي والاقتصادي والطابع القمعي للأنظمة السياسية العربية والمسلمة، وبسبب عجز المؤسسة الدينية السنية، والثقافة الدينية السائدة في أكثر دول العالم العربي والإسلامي بشكل عام،وأيضا البيئة الحاضنة للحركات الإسلامية المتشددة والمناهج الدراسية بمختلف مراحلها، والتي تحث على العنف والقتل والعودة إلى حكم السلف الصالح، فضلاً على الانغلاق الفكري وعدم مواكبة التطور الإسلامي أو حركات التجديد الإسلامي المعاصر. وتُبين تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة التي أصدرتها الأمم المتحدة بين عامي 2002 و 2004، تأخر الجزء العربي من العالم الإسلامي وراء العالم الآخر في الفرص الاجتماعية والمعرفة والحكم الصالح. والديمقراطية هي نتيجة حتمية لتلك الأسباب. ولعل من أهم الأسباب التي أدت وما زالت تؤدي إلى زيادة أعداد المتطرفين وأخطرها، تفتت السلطة الدينية في الإسلام السني، وتردد علماء الدين السنة أو عجزهم عن إعادة تفسير التعاليم الإسلامية، وغلق باب الاجتهاد، وعدم سيطرة المؤسسة الدينية السنية على أبناء مذهبها.ونظراً لعدم وجود سلطة مؤسساتية أو مرجعية دينية جامعة، على غرار البابوية الكاثوليكية، أو “ولاية الفقيه “ الشيعية في إيران, أو المرجعية الدينية الشيعية في النجف الاشرف، فإن أي عالم ديني متطرف ومبتدأ أو عالم قانوني مستقل أو واعظ مبجل، يستطيع إصدارالفتاوى. وعليه، هناك فوضى في إصدار هذه الفتاوى في الإسلام السني، إذ من الممكن لأي شخص أو رجل دين إصدار فتاوى بالتحريم أو التكفير أو القتل وحتى الجهاد، على غرار تلك الفتاوى الجهادية التي كانت تطلق في جوامع الرمادي والمحافظات السنية، وكذلك في منصات التظاهر وبشكل متكرر بالجهاد ضد الجيش العراقي والقوات الأمنية قبل وبعد أحداث العاشر من حزيران في العام الماضي. لا يمكن إنكار أن حكومة السيد المالكي ارتكبت أخطاء كثيرة خلال فترة حكمها، ولكن مواجهة تلك الأخطاء لم تبرر بإطلاق فتاوى الجهاد والقتل ضد قوات الجيش العراقي، ولم تبرر أيضاً برد فعل تعاوني مع تنظيمات إرهابية لاسترجاع الحقوق المسلوبة على غرار التعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية “ داعش” وأخواتها.
اليوم أهل السنة بحاجة هامة وضرورية إلى مرجعية دينية موحدة في العراق وليس خارج العراق، بحاجة إلى مدرسة دينية حقيقية جامعة للمذهب السني، بحاجة أيضا إلى مراجعة تاريخية للدين والفكر السياسي السني، ولاسيما إذا ما عرفنا أن الفكر السياسي السني لا يجيز الخروج على الحاكم بأي شكل من الأشكال حتى لو كان ذلك الحاكم دكتاتوريا؛ حفاظاً على أمن الدولة وبيضة الإسلام كما أسماه المفكرون الأوائل. أيضاً هناك حاجة ضرورية وملحة في البيت السني العراقي اليوم إلى”تحصين دار الفتوى”، حيث تعد إعادة هيكلة دار الفتوى أو هيئة علماء المسلمين في العراق أو الوقف السني أمراً أساسياً كي تتمكن من تأمين واستعادة تأثيرها المعتدل في الطائفة السنية، والسيطرة بصورة أفضل على شبكة المساجد التي تخضع إلى إشرافها، وتقوية علاقتها مع السلطة السياسية.ويتعين على الساسة والشخصيات الدينية الرائدة من السنة الاتفاق على أفضل السبل لإصلاح تلك المؤسسة، وزيادة شرعيتها وتواجدها على الساحة ضمن الطائفة السنية في العراق. فمن جهة، يتعين على المشرعين السنة الاعتراف بأن التدخل السياسي في الشؤون الداخلية لدار الفتوى وتعزيز ثقة جماهيرها بالمؤسسة الدينية وتقديم المشورة السياسية وترصين علاقتها مع الحكومة،هي من أجل الحفاظ على المصلحة العامة. ومن جهة أخرى، ينبغي على رجال الدين إيجاد السبل الكفيلة بجعل إدارتهم لدار الفتوى أكثر عرضة إلى المساءلة، وأكثر شفافية وكفاءة، وتطهيرها من رجال الدين غير المسؤولين والمتطرفين، وعدم الانجرار وراء ما يقول الآخر، وجعلها مؤسسة دينية بعيدة عن الصراعات الطائفية، وتسهم إسهاماً مباشرا في تعزيز روح المواطنة، وتقوية العلاقة بين الطرف الآخر أو بين المجتمع السني والحكومة، وإعادة الثقة لهم، وعدم الانجرار أيضا وراء المشروع الطائفي، وأن تكون داخل تلك المؤسسة شخصيات دينية ذات خبرة طويلة ومعرفة حقيقية لدين الإسلام الحقيقي وللإسلام السياسي المعاصر، ومواكبة العالم المتحضر والتطورات الدينية والسياسية، وعدم الانغلاق على حكم السلف الصالح. وينبغي لتلك المؤسسة إدراك مخاطر ذلك الانغلاق والخروج المتكرر على السلطة السياسية. وينبغي أيضا أن تكون دار الفتوى أو المؤسسة الدينية السنية أكثر تمثيلاً للتنوّع الجغرافي والديني الذي يميز الطائفة السنية في العراق، بحيث تكون جامعة لكل سنة العراق؛ لأن في ذلك إيجابية، وصهر للأفكار وبلورتها، والابتعاد عن التطرف بصورة أو بأخرى، مما يساهم في ترسيخ ثقافة الإصلاح والتسامح والتفاهم المشترك، ونقل فكرة التعايش بين أبناء المذهبين من المحافظات المختلطة إلى رجال الدين السنة في مناطق التي يسكنها السنة فقط، ولاسيما إذا ما عرفنا- وعلى سبيل المثال – أن سنة البصرة وبغداد (المحافظات المختلطة ) أقل تشدداً من سنة المناطق الغربية والشمالية(المناطق ذات المكون الواحد). ويمكن لإعادة هيكلة دار الفتوى – إذا تم تنفيذها بالشكل الصحيح وبالتراضي – أن توفر للمؤسسة سبلاً وفرصاً جديدة للعمل وأرضية خصبة لكسب ود الآخر والابتعاد عن التطرف. كما ويمكن للمؤسسة – على سبيل المثال – الاضطلاع بدور رائد في إعداد برامج لاجتثاث التطرف الديني خاصة بالمقاتلين الجهاديين العراقيين، وتوجيه الشباب وإبعادهم عن الانضمام أو الانخراط تحت لواء المجاميع الإرهابية وإطلاق جهد تعليمي شامل ينطوي على برامج توعية في المناطق السنية في البلاد. ويمكن لدار الفتوى كذلك أن تحد من جاذبية التطرف الإسلامي في المجتمع العراقي. وأهم أمر لمواجهة هذا الخطر الوجودي المتمثل بالتكفير والإرهاب، هو تحصين الوحدة الوطنية وترسيخ مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية، وأيضاً مصالحة دينية حقيقية، وإطلاق عملية حوار واسعة بين رجال الدين على اختلاف طوائفهم وأديانهم؛ لتعزيز التفاهم المشترك بين العراقيين، وإبراز القيم الدينية الواحدة، واعتبار سقف الدولة الواحدة هو ما يستظل به العراقيون، وتحفيز حضور هذه الدولة في مواجهة الفراغ، وتدبير شؤون الناس. وهذا يندرج على مستوى الحوار الإسلامي مع الأديان الأخرى. أما على صعيد الحوار السني – الشيعي، فالأمر يقتضي تعريف ما هو المقصود بالإسلام المعتدل، وإيجاد الأرضية المشتركة بين الطرفين. والحقيقة هناك الكثير من الأرضيات المشتركة،والاختلاف في الجزئيات فقط وليس في العموميات، إذ لا يكفي إطلاقا توصيف الإرهاب والتكفير عند الكلام على “داعش” و”القاعدة” وأخواتها. فـ”داعش” تدعو إلى إقامة دولةإسلامية، واستعادة الخلافة والفتوحات العسكرية، وسبي النساء، وفرض الجزية على الأديان الأخرى، ورفض القوانين الوضعية، وضرب كل تحضر. وهي – على الصعيد الأيديولوجي – تستند إلى نص ديني على طريقتها لتبرير القتل والتهجير وتكفير الآخر، بمعنى أن هناك فكرا وعقيدة قوية لدى التنظيم. ومن ثم، فإن “الإسلام المعتدل” في الوسطين السني والشيعي مطالب بتفسير للنص الديني يلغي ويفند مزاعم التطرف الإسلامي وادعاءات تنظيم “ داعش” وأخواتها، وهذا بدوره يؤسس لقراءة مشتركة يستطيع الجميع من خلالها إيجاد ومعرفة السبل الحقيقية في مواجهة التطرف الإسلامي وتحريمها دينياً وتفنيد كل النصوص الدينية التي يعتمد عليها تنظيم “داعش” وكل الحركات السنية المتطرفة. وعلى هذا الصعيد، ربما هناك تقصير كبير بين المراجع والمدارس الدينية للمذهبين، فهناك تقصير من النجف الأشرف، والأزهر الشريف،وإيران، والسعودية، في خلق الإسلام المعتدل.والمشكلة مع التطرف الديني،فإن الخلاص منه أمنية عاجلة جداً لكنها مهمة لن تنجز إلا على المدى الطويل.إن تنظيم “داعش” تنظيم فكري يحمل عقيدة ويستند على نصوص دينية ولا يمكن مواجهته عسكرياً فقط، بل لابد من مواجهته فكريا ودينياً وتفنيد تلك النصوص الدينية التي يستند عليها التنظيم الإرهابي في عقيدته؛ لذلك ينبغي تشغيل مسارين، الأول: مواصلة التصدي الأمني للتطرف، لكن مع الوعي “بأننا تعايشنا معه لأعوام طويلة ويتعين علينا التعايش معه لسنوات آتية”، وفقاً لعبارة رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون”، علماً أن التعويل الآن على العمل الأمني ليس سوى محاولة للحد من الضحايا والخسائر، ولإبقاء المتطرفين مرفوضين ومطاردين عل ذلك مما يسهم في انحسارهم عدداً وزخماً. أما المسار الثاني: فيقترح خطط عمل قد تستغرق جيلاً كاملاً للتأكد من نجاحها ونجاعتها. “ المواجهة الفكرية “ التي تعتمدها المؤسسات الدينية في مواجهة هذا التطرف، والعمل على إعداد برامج مستقبلية وإصلاحية للحد من مشكلة التطرف.هذا التحصين ومواجهة التنظيمات المتطرفة من خلال المؤسسة الدينية السنية من شأنه أن يحد من الأصوات المتطرفة ذات الاندفاع الطائفية التي تتصيد بنسيج المجتمع العراقي وتعمل على إشعال الحرب الطائفية ، فمن السذاجة أن يصور الإرهاب في العراق على أنه إرهاب سني –شيعي، أو ردة فعل سنة العراق على الإقصاء الحكومي ، كما ذهب إلى ذلك الشيخ عبد اللطيف المحمود في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر الذي نظمه الأزهر مؤخرا تحت عنوان: “الأزهر في مواجهة التطرف والإرهاب”، وهو رئيس تجمع الوحدة الوطنية، إذ قال:إن الإرهاب الشيعي ضد السُنّة في العراق كان من أسباب ظهور “داعش”، وهذا كلام لا يمكن الأخذ به لسببين:
الأول، سبب داخلي: وهو متعلق بأهل السنة أنفسهم الذين يعيشون في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية بمناطق العراق الوسطى والجنوبية ولم يتعرضوا إلى الأذى أو القتل أو التهجير ، ولم تحدث أية مواجهة بين الطرفين على العكس من المناطق التي تسكنها الأقلية الشيعية في شمال العراق، حيث تعرضوا إلى القتل والتهجير المستمر منذ عام 2003، على يد المتطرفين المحسوبين على السنة. وما يحدث من استهداف للسنة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية هي حالات فردية، وهي محل استنكار الشيعة ومراجعها قبل أهل السنة. كما وأنها حالات مرفوضة بأي شكل من الأشكال. فضلاً على ذلك، فإن العراق في حرب مستمرة ضد الإرهاب منذ سقوط نظام صدام حسين ، فالمواجهة لم تكن سنية – شيعية، وإنما هي حرب العراق ضد الإرهاب التكفيري.
أما السبب الثاني فهو خارجي: فما يحدث من إرهاب، وقتل للمدنيين، واستهداف لقوات الأمن والجيش في الدول العربية والإسلامية، مثل مصر وليبيا واليمن والدول الأفريقية،والاعتداءات في دول غربية، هي ليست مواجهة بين السنة والشيعة، وإنما إرهاب متطرف محسوب على السنة في مواجهة الحكومات السنية المدنية.

التعليقات معطلة