ديفيد غريبر
تتصل المديونية بأيديولوجيا بالغة الفعالية تسوّغ وجوه التفاوت الصارخة، فتُظهرها في صورة أخلاقية وتُظهر ضحاياها في صورة المذنبين. واللعب بالمديونية كاللعب بالديناميت. وحين تتبدد غلالة الأخلاق -»ينبغي على المرء تسديد ديونه»- تثور ثائرة المدينين. ومعظم الثورات المعروفة في التاريخ لم يقم بها الأقنان والأرقاء بل المدينون، ربما لأن هؤلاء ينوؤون بالثقل المعنوي للدَّين: فالمدين يُحمل من غير تردد على مرتبة دنيا ووضيعة لأنه لم يفِ موجبات عقد رضي بها، لدى إبرامه، متعاقدون أحرار. وينجم عن الإخفاق مهانة تشجع الثورة والتمرد… واليونان القديمة عرفت هذه الحال أكثر من مرة. وإصلاحات صولون التي أفضت إلى دستور أثينا في القرن السادس (ق. م.) ثمرة سلسلة من الأزمات نجمت عن الدَيْن. وحين تفاقمت الأحوال الاجتماعية وأدت إلى اليأس، واضطر الناس إلى بيع أبنائهم، ثاروا أولاً ثم توافقوا على صوغ الإصلاح وبلورته.
منذ أقدم الأزمان، تتنازع معالجة مسألة العملة نظرتان، ففي بعض المراحل، غلب التسليف على المبادلات النقدية، وتوافق الناسُ على أن العملة تدبير اجتماعي غير مادي. وفي أوقات أخرى، لبست العملة لباس قطع (نقدية) قيست قيمتها بكمية المعدن الثمين الذي تحتويه. ويلاحظ أن المبادلات الأولى ارتدت شكل التسليف. وانقضت 2500 سنة بين ظهور العملة على شاكلة وحدة قياس المبادلات، وهذا ما عرفه السومريون، وبين العملة العينية أو المادية. وفي التاريخ القديم، غالباً ما تلازمت العملة العينية مع الرق والعنف والحرب، وسك الأباطرة العملة ليسددوا رواتب أو أعطيات الجند. وغداة انهيار الامبراطوريات وتفرقها، عاد السكان إلى نظام العملة– التسليف، واختفى الرق من الحيز الأوروبي- الآسيوي. وحين أبطلت الولايات المتحدة تحويل الدولار، أدارت الظهر لخمسة قرون من سياسة تجارية نهضت على العملة المعدنية، وكان فتح أميركا والاستيلاء على ذهبها مرحلتَها الأولى. مذ ذاك، عادت العلاقات والمبادلات التجارية إلى سندات التسليف والعملة الاحتمالية، وغلبت أسواق المال على الرأسمالية. ويميل رأي شائع إلى الظن بأن هذا الطور هو سمة جديدة، خلافاً لحقيقة تاريخية تشهد على أن معظم المبادلات قام على التسليف والاعتمادات. وفي الأوقات التي غلب التسليف عليها، أمكنت على الدوام السيطرة على نظامه وضبطه. ففي بلاد الرافدين، جازت لدائني المزارعين المفلسين مصادرة قطعان ماشية المدينين العاجزين عن التسديد، وجاز لهم أخذ أولادهم رهائن. وهذا أدى إلى اضطرابات اجتماعية مشهودة. وعندها، كان الملك الحاكم يمحو الديون ويعلن مدة سماح يُعَلَّق استيفاء الدين خلالها. والكلمة السومرية «أمرجي» هي أول كلمة، في لغة بشرية، تعني التحرر من ثقل الدَّيْن. ونص التشريع التوراتي على إلغاء الدَّيْن في السنة السابعة من كل يوبيل زمني.
ومثل هذا الإلغاء جائز، بل مستحب، في النظام الأوروبي الواحد. فالمديونية ليست حقيقة مادية محفورة في الرخام، بل هي وعد، أي علاقة اجتماعية قابلة للتفاوض. ونظامنا المالي يخالف هذه الحال مخالفة حرفية. وعوض حمايته المدينين، كما حصل على الدوام في الحقبات التاريخية، يتطوع (نظامنا المالي الحالي) لحماية الدائنين. والنتيجة المحتومة هي أزمات المديونية المتصلة منذ 1970. ولا ينافي إلغاء الديون التدبير الأوروبي. فأوروبا قامت أصلاً على أفكار اجتماعية، وجنحت إلى الليبرالية الجديدة. وجنوحها ليس حتماً ولا قدراً. وهذه هي المسألة المركزية، وإلغاء الديون اليونانية، وهو إجراء لا مناص منه، جزء من المسألة. وقد يناقش بعضهم في المفهوم المناسب: أهو الإلغاء أم (إعادة) الهيكلة؟ وفي تقنية الإجراء: التعليق أم الإطفاء؟ ولا بأس بالنظر إلى السابقة التي أدت إلى إلغاء ديون العالم الثالث أواخر عقد 1990، أو إلى إنقاذ الولايات المتحدة شركات التأمين في 2008، وإلى عدد المرات التي أشهر فيها البليونير رونالد ترامب إفلاسه. وينبغي التخفف من زعم أن على الفقراء وحدهم تسديد ديونهم. وحين يدبر الأثرياء شؤونهم، أو يفكرون فيها، لا يحسبون أن تسديد المال المقترض واجب أخلاقي ملزم. والقول إن إسبانيا وإيطاليا، بعد اليونان، ستلزمان الاتحاد الأوروبي الإجراء ذاته (إلغاء الديون)، وأن الأمر يقود حتماً إلى انهيار اليورو، زعم لا سند له. فلن ينهار شيء! ويزعم كذلك أن إعلان الدول عجزها عن التسديد يؤدي إلى امتناع المصارف عن التسليف. وإذا امتنعت فمن أين تأتي بالعوائد والربحية؟ أليست القروض مصدر هذه؟ هل تيمم نحو الأوروغواي وكازاخستان؟ ما لا شك فيه أن إخفاق سيريزا (الحزب اليساري الذي فاز في الانتخابات البرلمانية اليونانية ويتولى قيادة الحكومة) في المفاوضة على الديون قد يرمي اليونان في أحضان حكم فاشي. وإذا لم يتمكن اليونانيون من الخلاص من سياسيين يتولون قتلهم، حرفياً، بمعونة يسار جذري وجازم، فالأرجح أن يستعينوا بيمين جذري وجازم. فإلغاء الديون هو السبيل الوحيد لانتشال اليونان من براثن الفاشية. ورفض ألمانيا إلغاء ديون اليونان، غريب. فأحد أسباب ازدهار ألمانيا هو إطفاء كل ديونها غداة الحرب العالمية الثانية. وجدير بالألمان ألا ينسوا هذه السابقة. ولا تجهل السيدة مركل، شأن رؤساء الدول عموماً، أثر التناول «الأخلاقي» للمديونية في جمهور الناس. لكن لهاث الرأسمالية وراء النمو يحمل على التخفف من هذه «الأخلاقية» عاجلاً أم آجلاً. وإذا لم يكبح جماح الرأسمالية، فمصير الأرض هو الدمار. ولا يخامرني شك في أننا مقبلون على العيش في غضون نصف القرن التالي، في نظام غير النظام الرأسمالي. وقد يكون النظام الآخر أكثر شراً من النظام الرأسمالي.
وقد لا يستحيل على أنغيلا مركل إقناع الألمان ببدائل من تسديد الديون اليونانية. والارتماء في أحضان اليمين المتطرف لا يرجح في ألمانيا، بل في فرنسا. وهذا داع ملح للرئيس فرانسوا هولاند يحمله على الانضمام إلى كتلة «الإصلاح» الأوروبية الناشئة. وكان في مستطاعه الاضطلاع بهذا الدور في 2012، ولم يقدم، واليونان تقترح عليه فرصة ثانية. وهو انتخب على وعد التملص من سياسة التقشف التي هجست بها أوروبا هجساً مرضياً، وتوزيع الثروة توزيعاً متكافئاً. وصنع خلاف ما وعد به. ولعل ظهور حركات اجتماعية في اليونان وإسبانيا فرصة، على أوروبا أن تغتنمها في سبيل إنشاء مثال جديد. وعلى هولاند اختيار حليفه: فإما أن يحالف الدائنين وإما أن يساند الحركة التاريخية التي تحمي المدينين وتؤيد إصلاح أبنية الاتحاد الأوروبي. وإذا أحجم، جنت مارين لوبن ثمن إحجامه.