علي سعدون
الاحتلال او الغزو او الحروب الاهلية، غالبا ما تأخذ زمنا تنتهي فيه مخلفة آثارا قد تطول اكثر من مدة فعلها الاساسي، وهو الامر الطبيعي الذي ألفناه وقرأناه على مر التاريخ.وثمة عوامل متعددة ومختلفة تتحكم بطول المدة وقصرها، من اهمها مقدار وحجم المقاومة للكوارث المذكورة ومنها “داعش” بوصفها اعتى قوة همجية في التاريخ الحديث، تقوم بأفعال مشينة لا تنتهي بالسبي والاغتصاب والسرقة وزهق الارواح، وإنما تتفنن في هذه الجرائم بطريقة لا يمكن فهمها او احالتها الى ايديولوجيا محددة او عقيدة بعينها، ذلك ان الايديولوجيات والعقائد والأفكار مهما كان مستوى التشويه الذي يطال جوهرها او يطرأ عليها، لن تبلغ وحشية وهمجية ما وصلت اليه سلوكيات وممارسات هذه الفئة الكارثية.
فقد تستطيع الدول مقاومة التنظيمات والجماعات المسلحة او المنحرفة عندما تكون مجالات تنظيمها وتمويلها ومواردها البشرية محدودة ومعروفة، الامر الذي يختلف كثيرا مع التنظيم الهمجي الجديد “داعش” باعتبارات غرابة ومجهولية مصادر تمويله والجهات التي تدعمه وتساند وحشيته ذات الوتيرة المتصاعدة والتي لا تهدف الى خلخلة المنطقة وإثارة القلاقل فيها فحسب، وإنما تعمد الى تأسيس “دولة” على انقاض جرائمها الوحشية، بلا حدود وبلا اهداف سوى استعباد الناس وإذلالهم ومصادرة حقوقهم في الحياة والعيش الكريم.
ما اريد ان اصل اليه هنا هو أن تنظيما بهذه القسوة وهذه الهمجية، يستهدف العالم بأسره ويمد اذرعه الاخطبوطية الخبيثة بطريقة لا مثيل لها، لا بد ان يندحر على ايدي الانسانية كلها، كرد فعل على كونية تلك الاهداف السرطانية للتنظيم، فالقضية لم تعد احتلال جزء من العراق ووقوعه اسيرا بيد فئة ضالة ومجرمة، ولا مناطق سورية تخضع مرغمة لقوى شريرة احرقت الشام ودمرت بنيته التحتية وتاريخه الطويل، وانما القضية هي ان هنالك تنظيما يسعى لإرباك العالم كله ولن يستثني منطقة او دولة دون سواها، وعليه لا بد ان تتضافر الجهود الدولية في مقاومة وإزالة هذه العدوانية التي بات خطرها واضحا ولا يقبل اللبس او التبرير، بل ان ذلك سينسحب ايضا الى الدول المشكوك في دعمها ومساندتها للتنظيم الهمجي، لأنها ليست في مأمنٍ من شروره وتغوله إذا ما اسعفته الصدفة في ان يصل اليها!!.
ان مستوى الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لمحاربة تنظيم “داعش” – وهو دعم يقتصر على العتاد والطلعات الجوية والاستشارة العسكرية – لن يكون كافيا امام تنظيمٍ يتقهقر هنا ويتغوّل هناك، وان طول مدة بقائه جاثما على صدور الناس، ستزيد من معاناتهم وتشردهم في المخيمات والجبال والمناطق الحدودية، وهي معاناة هائلة لن يستشعرها العالم مهما اجتهد في ذلك وقدم على اساسها المواد اللوجستية التي تخفف ولا تسد حاجاتهم الكثيرة.
فضلا عن ان اطالة مدة بقاء تنظيم “داعش” ستخلق في نفسه المريضة وهما آخر يضاف الى اوهامه التي جرّته الى الاستحواذ على بعض مقدرات بلدٍ ذي حضارة وتاريخ هائلين، وان هذا الوهم سيصور له نوعا من القناعة في وجوده وقدرته المشينة. في كتابه (الثقافة والامبريالية) وبتحليله لإحدى روايات (جين اوستن) وهو يرسم صورة للجماعات التي تتوهم القدرة والوجود، وهي في الحقيقة معزولة ومنبوذة الى ابعد حدٍ ممكن، يقول ادوارد سعيد: “انها ترى نفسها كالحلزون يزداد اتساعا في البيت، مثل شخص يبقى على هامش اي نشاط اجتماعي”.
قلنا ان مقاومة قوى الشر تتحدد بموجب القدرة على مواجهتها، وقطع دابر مقومات وجودها، وهو ما سيحتاج اليه العالم كله بلا استثناء من خلال دعم العراق، بكل ما يمكّنه من دحر هذه الفئة المنحرفة المجرمة، لا أن يترك بمفرده وبمعداته العسكرية المحدودة التي يدفع تكاليفها من قوت ابنائه وموارده التي تزيدها الازمة المالية وتدني اسعار النفط حراجة وصعوبة، ذلك ان المعركة مع الارهاب هي معركة مصير وحضارة انسانية هائلة، ازاء ممارسات ظلامية تهدد مستقبل العالم كله على المدى الطويل.

