دعوة

محمد خضير الانباري

ليسَ الظالمُ صخرةً تهوي في لحظة، ولا شجرةً تُقتلع من جذورها بضربةٍ واحدة، بل هو بناءٌ متصدّعٌ من الداخل، شُيِّد على الغرور، وأُقيم على الكِبْر، وأُسِّس على الظلم. يبدأ انهياره خفيًّا قبل أن تُبصره العيون؛ فتسقط هيبته أولًا، ثم يتآكل سنده، وتتصدع أركانه، حتى يأتي اليوم الذي ينهار فيه كرسيُّ سلطانه، ويقف وحيدًا أمام عدالة السماء، تلك العدالة التي لا تُخدع بالمظاهر، ولا تغفل عن حقٍّ، ولا تنام عن مظلمة، وهذا ماجاءَ في قولهِ سبحانه وتعالى: ( ولا تحسبنَ الله غافلاً عما يعملُ الظالمون، إنما يؤخرهمْ ليومٍ تشخصُ فيهِ الأبصارُ ) ابراهيم:42 ، وقوله سبحانه: ( فتلكَ بيوتهمْ خاوية بما ظلموا ) النمل:52 ، وما بينَ الظلمِ والعقاب، مسافة يظنها الطغاةُ أمنا، وهيَ في الحقيقةِ مهلةُ لا أكثر.
في ليلةٍ ثقيلةٍ منْ ليالي القهر، وقفَ المظلومُ تحتَ ظلالِ السماء، يرفعُ يديهِ بعدَ صلاةِ الليل، والدموعِ تسبقُ الكلمات. قالَ المظلوم: يا ربُ … خذلتني الأرض بمنْ عليها، وأغلقتْ الأبواب في وجهي، وضاقتْ الدنيا حتى صارتْ أضيقَ منْ ثقبِ إبرة، ولمْ يبقَ لي إلا بابك.
يا ربُ … لقدْ سلبني الظالمُ حقي، وأكل تعبي، وأهانَ كرامتي، وأبكى أطفالي، وأحرقَ في قلبي سنينا منْ الصبر، فهبطَ صوت منْ أعماقِ الإيمانِ يهمسُ في روحه: ( أمن يجيبُ المضطرَ إذا دعاهُ ويكشفُ السوء )النمل:62 ، فبكى أكثر … لكنَ بكاءهُ هذهِ المرةَ كانَ رجاءَ لا يأسا.
في قصرٍ منْ قصورِ الجبروت، كانَ الظالمُ يضحك،قالَ الظالم: منْ يستطيعُ أنْ يهزَ عرشي؟ منْ يستطعْ أنْ ينزعَ مني سلطانيا؟ أنا الذي أخضعُ الرجال، وأشتري الذمم، وأسكتَ الأصوات، فضحكتْ الدنيا في وجههِ ساخرة، لأنها تعرفُ ما لا يعرف.
قالَ لهُ الزمن: كمْ قالها قبلك فرعون؟ ( فقالَ أنا ربكمُ الأعلى ) النازعات :24 . أينَ هوَ اليوم؟ وقالها النمرود، وقالها قارون، وهوَ يتباهى بكنوزه: (إنما أوتيتْ على علمٍ عندي ) القصص:78 ، فخسفَ الله بهِ وبدارهِ الأرض.
وقالها طغاة كثير عبرَ القرون، فما بقيَ منهمْ إلا ذكر يلعنهُ التاريخ، وفي زاويةٍ بعيدةٍ منْ هذا العالم، كانتْ أما ثكلى ترفعُ يديها، طفلها ماتَ ظلم، وفي بيتٍ آخرَ عجوزٍ كسيرٍ القلب، سلب حقه.
في مكانِ ثالثِ امرأةٍ أرهقها الظلم، فنامت، ووسادتها مبللة بالدموع، كلهمْ رفعوا أكفهمْ نحوَ السماء، وكلهمْ قالوا: يا رب: كلمةٌ صغيرة، لكنها حينَ تخرجُ منْ قلبٍ مكسورٍ تهزُ أبواب السماء، وهنتْ تذكر قولِ حبيبنا ورسولنا محمد (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ) : ( واتقِ دعوةَ المظلوم، فإنهُ ليسَ بينها وبينَ اللهِ حجاب).
مرتْ الأيامُ … وظنَ الظالمُ أنَ الدعواتِ ضاعت، وظنَ أنَ دموعَ الأراملِ جفتٌ بلا أثرٍ . وظنَ إنَ أنينَ الأطفالِ تلاشى في الريح، لكنهُ لمْ يعلمْ أنَ اللهَ كانَ يجمعها كلها. دمعةً دمعةً … وأنةً أنةً … ودعوةً دعوةً … حتى جاءَ يومُ الحسابِ الدنيوي. عادَ المظلوم فالتقى بالظالم، لكنَ المشهدَ كانَ مختلفا.
المظلومُ ثابتٌ كالجبل، والظالمُ شاحبُ الوجه، تتساقطُ منْ حولهِ أسبابُ القوة.
قالَ الظالمُ مرتجفا: كيفَ حدثَ هذا؟ كنت أملكُ كلَ شيء!
قالَ المظلوم: كنت تملكُ الناس، ولمْ تملكْ قلوبهم. كنت تملكُ السلطة، ولمْ تملكْ رضا الله. كنت تملكُ السلاح، ولمْ تملكْ دعوة صادقة في جوفِ الليل.
قالَ الظالم: ومنْ أسقطني؟
قالَ المظلوم: لمْ أسقطك أنا: أسقطتك دموع اليتامى. أسقطتك آهات الأمهات. أسقطتك قلوب المقهورين. أسقطتك دعوةٌ خرجتْ منْ صدرٍ موجوع، وقالَ صاحبها: حسبيَ اللهُ ونعمَ الوكيل.
كمٌ منْ ظالمٍ ملأَ الدنيا ضجيجا، ثمَ صارَ خبرا! وكمْ منْ طاغيةٍ ظنَ أنَ ملكهُ أبدي، فإذا اسمه يذكرُ للعبرةِ لا للفخر! وكمْ منْ مظلومٍ نامٍ باك، ثمَ استيقظَ يوما؛ ليجدَ عدالةْ اللهِ قدْ سبقتْ إليه! لقدْ رأينا عبرَ التاريخِ ملوكا وسلاطينَ وحكاما وجبابرة ملئوا الأرض ظلما، ثمَ انتهوا إلى صفحاتٍ سوداءَ في كتبِ التاريخ، بينما بقيتْ دعواتُ المظلومينَ حيةً لا تموت. قالَ تعالى: (وسيعلمُ الذينَ ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبونَ ) الشعراء:227 ، وقالَ سبحانه: (إنَ ربكَ لبالمرصادِ) الفجر :14. ثمَ رفعَ المظلومُ يديهِ مرةً أخيرة، لكنْ هذهِ المرةَ لمْ تكنْ دموعهُ دموعَ قهر، بلْ دموع شكر.
قال: يا ربُ … لمْ أفرحْ بسقوطه؛ لأنهُ عدوي، بلْ فرحتْ لأنَ عدلك ظهر، ولأنَ المظلومَ عرفَ أنَ لهُ ربا لا يضيعُ حقه، ولأنَ السماءَ أثبتتْ مرةً أخرى أنَ الظلمَ مهم- طالَ عمره- قصير.
إنَ الباطلَ مهمٌ ارتفعَ صوتهُ ضعيف، وإنَ الحق، وإنَ تأخرا لا يموت، يا أيها الظالمُ … إذا سمعت بكاءَ طفلِ حرمتهِ حقه، أوْ أنين أمٍ كسرتْ قلبها، أوْ دمعةَ شيخٍ سلبتهُ كرامته، فلا تظنُ أنَ الأمرَ انتهى، فربما كانتْ تلكَ الدمعةُ أولَ حجرٍ يسقطُ منْ جدارِ ملكك، وربما كانتْ تلكَ الدعوةُ أولَ خطوةٍ في طريقِ نهايتك، فدعوةُ المظلومِ لا تسقط، ودمعةْ المقهورِ لا تضيع، ويد ارتفعتْ إلى السماءِ بعدَ منتصفِ الليلَ لنْ تعودَ فارغة، فاللهُ سبحانهُ هوَ العدلُ الأولُ والآخر، وهوَ القويُ فوقَ كلٍ قوي، والمنتقم منْ كلٍ جبار. ستبقى الحقيقةُ الخالدة: لا تسقطُ دمعةُ المظلومِ،حتى يسقطَ الظالمُ في ظلمهِ وطغيانه، وينالَ منْ العقابِ ما كتبَ الله لهُ في الدنيا قبلَ الآخرة، ثمَ يمسحُ المظلومُ دموعهُ لا شماتةً به، بل- شكرا لله- ربّ العالمين، سيد العدالةِ المطلقة، الذي لا يضيعُ عندهُ حقا، ولا تغيبُ عنْ علمهِ دمعة، ولا تنامُ في ملكهِ دعوة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *