نك اليكساندروف
قبل نحو عقدٍ من الزمن، أعد جيمس ويليارد، القائم بأعمال الولايات المتحدة في هندوراس عام ،2005 تحليلاً ينطوي على إدانة دامغة . وقد استهله بالقول: “إنّ هندوراس دولة أسيرة، بالمعنى الحقيقي للكلمة . . وتلاعُب النخبة بالقطاع العام، ولا سيّما النظام القضائي الضعيف، حوّله إلى أداة لحماية الأقوياء”، و”الناخبون يختارون بين الحزبين السياسيين الرئيسيين الراسخين، مع العلم بأن كلا الحزبين، مدينان لأفضال فئات من أفراد النخبة الاقتصادية ذاتها” .
ويخلص التقرير إلى القول: “إنّ الوضع يتطلب استراتيجية تمنح الناس الوسائل للتأثير على السياسة العامة” .
وفي السنوات اللاحقة، استنبط الرئيس الهندوراسي، مانويل زيلايا، الذي حكم من 2006-،2009 استراتيجية كالتي ذكرها ويليارد .
ولكنّ حكام البلاد ردّوا بإطاحة زيلايا في يونيو/حزيران ،2009 والتلاعب بالنظام القانوني الضعيف لتبرير إطاحته . وتصنعت واشنطن الغضب، ولكنها اعترفت بعد ذلك بالانتخابات الوطنية المشوهة في نوفمبر/تشرين الثاني ،2009 ومتابعتها في ،2013 وأغدقت الإمدادات على الجيش . ففي عام ،2011 ذهب نحو نصف مجموع صادرات الأسلحة الأمريكية في نصف الكرة الأرضية الغربي، إلى هندوراس، كما كشفت وكالات الأنباء في إشارة إلى 3 .1 مليار دولار من المعدات الإلكترونية .
كان زيلايا يعتزم إجراء استطلاع للرأي في يوم الانقلاب، ليرى ما إذا كان الجمهور راغباً في استفتاء على تعديل الدستور في شهر نوفمبر ذاك . وكتبت صحيفة “نيويورك تايمز”، فور إطاحة زيلايا أن بعض المنتقدين، يقولون إن الاستفتاء على تعديل الدستور، كان جزءاً من محاولة غير قانونية من قِبل زيلايا، لإزالة القيد الذي يفرضه الدستور على مدة الرئاسة وحصرها بأربع سنوات، ولفترة واحدة .
ولكن السفير الأمريكي، هوغو لورينز، كان قد اعترف قبل الانقلاب بخمسة أيام، أن استخبارات بلاده، لا تملك أي دليل ثابت يوحي بأي تفكير- ناهيك عن بذل أي جهد- من قِبل زيلايا، أو أي من أعضاء حكومته، لاغتصاب الديمقراطية ووقف العمل بالدستور .
وكان الدافع الحقيقي للانقلاب، هو تصاعد شعبية زيلايا . . وسعيه وحلفائه إلى إجراء إصلاح جذري للنظام السياسي واستبدال “الديمقراطية التمثيلية” بنسخة “تشاركية” على غرار نموذج الرئيس كوريا في الإكوادور .
ولكن القمع قضى على أمل الإصلاح، وباتت هندوراس الحالية، تستعيد ذكرى نشاط فرق الموت التي بلغت ذروتها في ثمانينات القرن الماضي والدستور الذي زُعِم أن زيلايا قد انتهكه، يرجع تاريخه إلى ذلك العهد، وكان يحتوي على عناصر فاسدة مثل استقلال الجيش عن السيطرة المدنية، ففي ثمانينات القرن الماضي، كان قائد الجيش يتفاوض على سياسة الدفاع مع الحكومة الأمريكية مباشرة، وبعد ذلك يبلغ الرئيس الهندوراسي بما يتقرر .وقد أدار الجنرال غوستافو الفاريز مارتينيز دفة الجيش حتى عام 1984 . ولمّا كان قد تلقى تدريبه في الأرجنتين، فقد أعلن للسفير الأمريكي، عندما تسلم قيادة الجيش، أنه معجب بالأساليب الأرجنتينية التي استخدمت أثناء الحروف القذرة القاتلة هناك، وأنه ينوي استخدام التقنيات ذاتها في هندوراس” .
ثم انطلق ليشكل الكتيبة ،316 التي تولّت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وغيرها تدريب أعضائها . وكان من ضمن الأشخاص الذين استهدفتهم، الزعيم النقابي، جيرمان بيريز اليمان، الذي حشره سفاحو الكتيبة داخل سيارة في شارع مزدحم بالقرب من مطار تيغوسيغالبا، ثم قتلوه مع التعذيب . وكان الصحفي أوسكار ريز ضحية أخرى . “وقد عُلق عارياً، وضُرب حتى الموت، بينما عُرّضت زوجته لصعقات كهربائية في الجهاز التناسلي، ما أتلف أعضاءها الداخلية .وقد كافأ الرئيس الأمريكي، رونالد ريغان، الفاريز بوسام الاستحقاق عام 1983 .
والآن، يُكمل جيل آخر مهمة تلك الكتيبة . ففي الثمانينات، كانت القوات المسلحة تملك صلاحيات مفرطة، والوضع الآن في هندوراس، مشابه لذلك العهد إلى حدّ بعيد، حيث يسيطر أفراد الجيش الآن على مؤسسات الدولة التي كانت قد نُزعت منهم في التسعينات .ومن الأمثلة على الممارسات التي تحدث اليوم، أن “الشرطة العسكرية الخاصة بحفظ النظام العام”، التي تم نشرها أول مرة قبل انتخابات 2013 بأسابيع، قامت في 10 أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، بمداهمة منزل ماركو انطونيو رودريغز، نائب رئيس “الاتحاد الوطني للعاملين في وكالة رفاه الطفل”، وبعد ذلك ببضعة أسابيع، حطمت أبواب منزل الناشط ادوين روبيلو اسبينال، كما ذكرت جماعات حقوق الإنسان، وقد عارض كثير من المشرعين القانون الذي تم إيجاد تلك الشرطة بموجبه، وأعلن مسؤول كبير في منظمة حقوق الإنسان في هندوراس أنها مخالفة للدستور . ولكن الأمر لم يقتصر على احتفاظ بطلها، عضو الكونغرس السابق، خوان اورلاندو هيرننديز بمنصبه – بل هو الآن رئيس البلاد .ومنذ توليه منصبه في يناير/كانون الثاني ،2014 ترأس عدة عمليات لنشر الجنود وتوسيع قوة الشرطة السالفة الذكر، وتزخر تقارير منظمات حقوق الإنسان، بالعديد من التعديات البشعة على حقوق المواطنين .من ذلك، حالةٌ تواطأت فيها الشرطة في خطف وتعذيب صياديْ سمك، وأخرى كان الجنود فيها مسؤولين مباشرة عن تعذيب اثنين من عمال المناجم .
وقد وصف عميل سابق للشرطة، في شهادة تحت القسم، تجارب أخرى في السادية تورّط فيها قادة لقوات الأمن الوطني من مستوىً عالٍ، فقد أخِذت امرأة- على سبيل المثال- إلى أحد مراكز الامن في أحد أحياء العاصمة، وجرى استجوابها 48 ساعة، ثم شُنقت وأخفيت جثتها . كما روى العميل كيف قامت فرقته بخطف ثلاثة أشخاص، ثم قطعت رؤوسهم، وظهرت جثثهم في أجزاء مختلفة من المدينة . وقد وُضع رأس مختلف على كل جثة، لتعسير التعرف إلى هوية الشخص القتيل .

التعليقات معطلة