يونس السيد
حزمة الإجراءات القانونية التي أقرها البرلمان التركي مؤخراً لتسوية القضية الكردية، أثارت الكثير من الأسئلة والتكهنات حول جدية أنقرة في حل هذه القضية، والمدى الذي ستذهب إليه في استغلال المتغيرات الإقليمية والدولية لإنهاء الصراع الدموي الذي أوقع عشرات آلاف الضحايا بين الجانبين منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي .يبدو أن “حرب داعش” قد قلبت الأوضاع في المنطقة رأساً على عقب، وغيرت الكثير من المفاهيم، بقدر ما خلقت وقائع جديدة، أملت على الأطراف المشاركة فيها والمتربصة لحصد نتائجها، مراجعة سياساتهم ومواقفهم على نحو دراماتيكي، حتى ولو كان ذلك عبر استحضار قاعدة ميكافيللي الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة” . فمن كان يصدق أن حزب العمال الكردستاني، المصنف لدى تركيا والغرب بالإرهاب، الذي كان مقاتلوه، حتى وقت قريب، قد لجأوا إلى الكهوف والجبال في شمال العراق، أصبح اليوم شريكاً مهماً في عملية السلام، وجزءاً من العملية الديمقراطية في المنطقة، لا بل أصبح متلقياً للسلاح والدعم الغربي في إطار الحرب على “داعش” ضمن قوات البيشمركة الكردية . صحيح أن الحزب أثبت نفسه في هذه الحرب، وأصبح حاجة لا غنى عنها باعتباره العمود الفقري للأكراد في مواجهة التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، إلا أنه تسبب، في الوقت نفسه، في كشف ازدواجية الغرب على نحو فاقع، حيث لا يزال الغرب يصنفه تنظيماً إرهابياً، ويعترف، في الوقت نفسه، بحاجته إليه ويرغب في إظهار إنجازاته لتبرير الدعم الذي يقدمه له .على الجانب الآخر، تبدو خطوات أنقرة لاستيعاب الحزب الكردستاني استباقية، فرضتها الضرورة، أكثر مما هي نتاج للتطور الطبيعي في العلاقة بين الجانبين . صحيح أن أنقرة كانت قد دخلت في عملية سلام مع الحزب وأجرت مفاوضات مع زعيمه عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة أمرالي في بحر مرمرة منذ عام ،1999 واعترفت في هذا السياق بالهوية الكردية، وسمحت للغة الكردية بالظهور على قنوات التلفزة، إلا أنها لم تغفل عينها لحظة واحدة عن السلاح الثقيل والنوعي الذي يتدفق على الحزب الكردستاني من دون أن تستطيع الاعتراض، أو تسقط مخاوفها من خروج الحزب قوة مهمة جداً في سياق الصراع الإقليمي أو داخل تركيا بالذات . حزمة الإجراءات التركية، تتضمن ستة بنود، وهي تتمحور أساساً حول نقطتين مركزيتين: إلقاء السلاح ودمج مقاتلي الحزب في المجتمع المدني، مقابل توفير الحماية القانونية واتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز ما يسمى تكامل النسيج الاجتماعي وإشراك الأكراد في عملية البناء الديمقراطي في إطار إجراءات ومبادئ عملية السلام، كسبيل لإنهاء الصراع وحل القضية الكردية . غير أن هذه الإجراءات لم تحظ بموافقة قوى المعارضة، كما أنها بحاجة إلى ضمانات من جانب أنقرة، في ظل تساؤلات جدية حول موقفها من دعوات الأكراد للانفصال، خصوصاً في شمال العراق . وهناك من يشير إلى محاولات أردوغان لاستغلال هذه العملية في معركة الانتخابات الرئاسية في أغسطس/ آب المقبل . ثمة من يعتقد أن كل الدعوات والاعتراضات لن تكون عائقاً، لأن التحديات المقبلة ستفرض تعاون الطرفين معاً، لكن الشكوك ستظل قائمة حول إمكانية نجاح العملية برمتها.

التعليقات معطلة