حافظ البرغوثي
لن تسفر الانتخابات “الإسرائيلية” التي تجرى اليوم عن مفاجآت بالنسبة للوسط واليسار . لأن كتلة اليمين والمتدينين ستبقى الاكبر في الكنيست “الإسرائيلي” حتى لو حصل المعسكر الصهيوني الذي يمثل يسار الوسط على أكبر عدد من المقاعد يليه الليكود، ومن المرجح أن تكون القائمة العربية المشتركة القوة الثالثة في الكنيست . المعسكر الصهيوني الذي يتوقع أن يحصل على 26 مقعداً لن يستطيع تشكيل الحكومة “الإسرائيلية” المقبلة إلا إذا تحالف مع بعض أحزاب اليمين كحزب “كولانو” الذي يعتبر نفسه يمثل التيار القومي بدلاً من الليكود وأسسه الوزير الليكودي السابق موشيه كحلون أو بقايا حزب شاس . ورغم أنه سبق لحزب كاديما بزعامة تسيبي ليفني أن حصل على أعلى نسبة من المقاعد في الانتخابات قبل الماضية إلا أنه فشل في تشكيل الحكومة وانتزعها نتنياهو منه، وفي الانتخابات الحالية التي تجرى اليوم من الممكن ان يتكرر المشهد نفسه أي حصول يسار الوسط على أكبر نسبة مقاعد، لكنه يفشل في تشكيل حكومة ائتلافية فيتصدى لها نتنياهو ويشكلها من فسيفساء أحزاب اليمين والمتدينين بوعود براقة لكل حزب تشمل المطالب الأساسية وهي الأموال للأحزاب الدينية والاستيطان للأحزاب القومية الدينية ومنع قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف لإرضاء اليمين كله . لم يعد سراً أن المجتمع الدولي خاصة أوروبا والإدارة الأمريكية يحبذ غياب نتنياهو عن الحكم في “إسرائيل” لأنه بات مصدر صداع لاصدقاء “إسرائيل” بل إن اثنين من كبار مؤسسي الليكود هما مردخاي تسيبوري ودان ميريدور أعلنا أنهما لن يصوتا لليكود بزعامة نتنياهو لأنه يبيع الهواء، فهو يحرجهم يومياً بسياساته وخطواته غير المتوقعة وتراجعه عن تعهدات ووعود سبق أن قطعها أمامهم حيث فقد ثقة كثير من الزعماء الغربيين و”الإسرائيليين”، بل وأقحم نفسه في لب السياسة الأمريكية وصار يلعب في ملعب الرئيس الأمريكي أوباما وكأنه ينافسه على السلطة في واشنطن مدعوماً من الحزب الجمهوري في الكونغرس . وهذه السياسة الفجة حصدت النقمة على “إسرائيل”، وأصابت المعتدلين “الإسرائيليين” بالدهشة خاصة أنهم يحرصون على العلاقة مع الولايات المتحدة ويتهمون نتنياهو بأنه أساء إليها بذهابه إلى الكونغرس ليلقي خطاباً “فارغاً” لم يأت فيه بجديد وإنما ذهب لاستعراض عضلاته الجمهورية أمام الناخب “الإسرائيلي” فقط . ومهما يكن فإن الرأي العام “الإسرائيلي” انقسم بشكل عمودي بين معسكرين أحدهما يؤيد نتنياهو والآخر ضده وهي سابقة لم تحدث من قبل حيث اصطف الإعلام بين مؤيد له مثل صحيفة “إسرائيل” اليوم ومعاريف اللتين تولتا الرد على الهجمات ضد نتنياهو فيما تولت “يديعوت أحرونوت” و”هآرتس” توجيه الضربات اليومية في التحليلات والمقالات إلى نتنياهو المتهم بتدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية “الإسرائيلية” . 
بالنسبة للقائمة العربية المشتركة التي تمثل الصوت العربي لأول مرة فان بعض التقديرات ترجح أنها ستكون القوة الثالثة في الكنيست بعد المعسكر الصهيوني بزعامة هيرتسوغ وليفني والليكود بزعامة نتنياهو ومن الممكن أن تحصل على 13-14 مقعداً في حالة ارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي، وكان الوسط العربي تميز خلال العقود الماضية بانخفاض نسبة التصويت وتشتيت الأصوات على قوائم عربية متنافسة أو قوائم يهودية يسارية وحتى دينية يهودية لا فائدة ترجى منها بالنسبة له غير شراء الأصوات بوعود غالباً لا تنفذ . وفي الخمسينات والستينات كانت نسبة التصويت تصل إلى 90 في المئة لكنها انخفضت سنة 2010 إلى 81 في المئة وفي آخر انتخابات شارك نصف الناخبين فقط، وتراهن القائمة المشتركة على زيادة نسبة المشاركة العربية في الانتخابات إلى ما فوق الستين في المئة وفي هذه الحالة ستضمن القائمة أن تحصل 13 مقعداً على الأقل خاصة أن برامجها تركز على حل قضايا الإسكان والمخططات الهيكلية والضائقة الاقتصادية وليس الأمور السياسية فقط . لأن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والسكن تضغط بقوة على الجماهير العربية في الجليل والمثلث والنقب . لن تكون هناك مفاجآت كبيرة . . بل إن استطلاعات الرأي عادة تخفق في التنبوؤ بنتائج الانتخابات “الإسرائيلية” كما حدث في انتخابات سابقة توقعت سقوط الليكود، والمحصلة أن المعسكر الصهيوني، أي يسار الوسط، لا يملك حلاً سياسياً سحرياً وحتى لو امتلك فإنه لن يكون قادراً على تنفيذه، فيما اليمين لديه القدرة على التنفيذ لكنه لا يريد حلاً للصراع العربي “الإسرائيلي” ضمن الشروط الدولية، بل لا يريد دولة فلسطينية أساساً، فالانتخابات “الإسرائيلية” لن تغير الواقع بل ربما تجمله فقط .

التعليقات معطلة