علي حسن الفواز
يبدو أن السياسة تصنع الكثير من الفخاخ، وتصيب الخطابات المجاورة في الاقتصاد والثقافة والإجتماع بالكثير من العدوى، وبما ينعكس كثيرا على صياغة المواقف والأحكام.. لكن أن تمسّ هذه العدوى الخطاب الديني واجتهادته في الفقه والحكم والتأويل، فهذا أمر يستدعي المراجعة والتقويم والتدبّر، لاسيما وأن هذا الخطاب رهين بالثابت كما يقول أدونيس.
تدخل الأزهر الشريف بشأن سياسي محدد، وعلى وفق توصيف طائفي يفتقر للعلمية والمهنية ولمرجعية الموقف، هو امر يؤكد بأن المشهد السياسي في العراق ليس بعيدا عن ما يجري في مصر أو في سوريا أو في ليبيا، خاصة وأن العدو واحد، وأن طبيعة هذه الحروب المصطنعة تدخل في (علم القياس) الذي يعرفه الأزهريون جيدا.. فكيف يمكن وصف الموقف الأزهري، وحدود اتهامه لجهة معينة؟ وماهي المرجعيات والأسانيد التي اعتمدها الازهر في توصيف الحالة وإعطائها الحكم الشرعي؟ وهل يمكن أن نقول أن هذا الحكم هو شرعي وليس سياسيا؟.
المراقبون قد يذهبون مذاهب شتى في قراءة الحكم، لكنه لا يخلو – على العموم- من المزاج الطائفي، لان ما ورد فيه يدخل في هذا الإطار، لكن ما يمكن أن يثيره بشكل خطير هو تأجيج الفتنة، وإثارة النعرات الطائفية، وتوسيع الخنادق، في الوقت الذي كان فيه الأزهر الشافعي من دعاة وأد الفتن دائما، والدعوة الى التراحم والتوادد بين المسلمين لأنهم على ملة واحدة، وأن نشر البغضاء مقاربة للكفر والشرك.
وبقطع النظر عن ما أثير من لغط بسبب هذا الموقف الأزهري، فان خصوصية مؤسسة الأزهر لا يليق بها أن تتدخل في قضايا هي أقرب للسياسة، وأبعد عن الشأن الديني، لاسيما وأن ضحايا الارهاب في العراق يخضعون لذات التوصيف الذي يطلق على ضحايا الإرهاب في مصر، فضلا عن أن دعوة الأزهر إزاء حركة الإخوان المسلمين بعد حركة التغيير الذي قاده عبد الفتاح السيسي تتقاطع مع التوصيف الذي أطلقه على الحالة العراقية..فهل هذا يعني أن “داعش” هي أكثر نبلا من الإخوان المسلمين؟.
كما أن المرجعية الإدارية الرسمية لمؤسسة الأزهر – كونها تابعة للرئاسة المصرية- قد تضعها في خانة الموقف السياسي الذي يمكن أن تتبناه الدولة خضوعا لحسابات سياسية واقتصادية مع الدول الخليجية، والتي تحولت الى دول راعية لانقاذ الاقتصاد المصري، وطبعا هذه المبالغ المعطاة عبر الودائع والاستثمارات من السعودية والإمارات والكويت ليست دون ضمانات، بما فيها الضمانة السياسية والامنية، وعلى ذمة قول غير رسمي للدكتور البرادعي بأن الثمن كان مبلغا قدره ثلاث مليارات!!.
حسابات سياسية
التدخل في توصيف الشأن العراقي على وفق هذا المعطى لا يمكن حسابه الاّ من باب السياسة، وأن قراءته على وفق الأمزجة والحساسيات سيكون كمن يجاهر بالإعلان عن موقف تتبلور بعض ملامحه في الأفق، إذ أن إطلاق مثل هكذا أحكام دون بينة أو سند هو امر شبيه بلعبة العميان وهم يحاولون امساك القمر، ولا شك أن هذه القراءة ستكون خاضعة لأجندات طائفية مقيتة، ولرؤى ضيقة لا تملك اية شرعية في معاينة الاشياء في ضوء المعرفة والمهنية، لا سيما وان ما يحدث في العراق من عمليات إرهابية وتفجيرات وتعديات على القوات الأمنية والأماكن العامة هو ذاته الذي يحدث في مصر، حيث السلوك الإرهابي الذي تقوم به جماعات تنتمي الى خطاب فكري تكفيري، وأن المعالجة الامنية التي تقوم بها السلطات المصرية لهذه الجماعات جائزة في مصر، وغير جائزة في العراق!!.
موقف مؤسسة الأزهر الإخير يعكس خضوعها لأجندات سياسية، ولضغط من بعض الجماعات في مصر، وفي المؤسسة ذاتها.. فالكل يعرف بأن المؤسسة الأزهرية معروفة بحياديتها، ونظرتها الموضوعية للخلافات العقائدية والمذهبية، والتي رسخ أسسها الشيخ محمد عبدة، والشيخ محمود شلتوت وهما من العلماء الذين تصدوا لامور تتعلق بالاحكام الشرعية والاحكام التي تخص التعايش بين الطوائف الإسلامية.
الترويج لخطاب طائفي معين، واعتماد معلومات غير دقيقة سيكون له بالغ الأثر في خلط الأوراق وفي إثارة صراعات طائفية من شأنها أن تزيد من الاحتقان، وتعريض السلم الأهلي داخل المجتمعات لمخاطر كثيرة، فضلا عن كشف هذه المؤسسة الكبيرة لمواقف وانحيازات لا تليق بها وبتاريخها وريادتها، الامر الذي سيجعلها في موقع المدافع عن طائفة معينة، وليس دفاعا عن عموم المسلمين، والعمل على حقن دمائهم والدعوة للتعايش والتآلف والتراحم بينهم، وهو جوهر ما أكده الدين الإسلامي في رسالته القرآنية وفي سنته المحمدية.
هذا الخطاب يمكن أن يكون سابقة خطيرة، وقد يدفع جهات أخرى لتبني مواقف متقاطعة أو مؤيدة، وهو ما يعني تعريض الرأي الفقهي والحكم الشرعي الى تدخلات جماعتية سياسية أو طائفية، ويمكن أن يكون سببا في صناعة المزيد من خنادق الفرقة، تلك الخنادق التي تمارس ضغائنها في تأجيج الفتن، وحماية سياسات معينة تنتهجها هذه الدولة أوتلك، فضلا عن أن هذه الأحكام تتناقض والرؤية الواقعية والعقلانية للامور، فالارهابيون من جماعة (بيت المقدس) أو من بعض جماعات الاخوان وغيرهم في مصر يشنون حربا مفتوحة على الدولة المصرية، وأن الازهر يتهمهم بالكفر والخروج عن الامة وعن الاجماع الوطني والشرعي، لكنه يتغافل عن ما يحدث في العراق حين يقوم الارهابيون بشنّ الحرب الطائفية والتكفيرية على الشعب العراقي ومكوناته ويذبحون ويغتصبون ويطردون العديد من مكوناته.
إن الواجب الشرعي يقتضي اليوم أن تكون مؤسسة الأزهر رائدة في مواجهة مثل هذه الأخطار، وأن تدعو الى خطاب السلام والحوار، والى نبذ الفرقة، مثلما هي الدعوة الى الحكمة والمعرفة، تلك الدعوة التي تقتضي المسؤولية والجدية، لاسيما وان الواقع العربي والاسلامي يشهد اليوم مواجهات خطيرة على مستوى تصدع النظام الاجتماعي والإقتصادي والإنساني، فضلا عن المواجهة المفتوحة مع الفكر الظلامي ومع أجنداته المشبوهة، والتي نتج عنها وخلال سنوات قليلة العديد من المشكلات المرعبة، تلك المشكلات التي راح ضحاياها الآلاف في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان ومصر،
فضلا عن التشويه الذي مسّ عقائد العرب والمسلمين وادى الى اتهامهم بالإرهاب.
إذن بات من الضروري أن يكون العقل والحكمة رائدين في تقويم مايجري، وفي النظر بمسؤولية الى الامور حتى لا تختلط الاوراق ويزداد عبث القتلة والارهابيين على حساب دماء الناس من مسلمين وغيرهم.

