جبار الحسيني
حدّثنا من نثقُ بمقالتِهِ … قال :
أضناني البحثُ في الإنسان , و أنا أرى تقلّبَ الأزمان , و ما خلـّفتهُ كوارثُ الحروب , و اشتدادُ الخطوب , من إحتقاناتٍ مريره , و عاداتٍ سيئةٍ زفيره .. و أعجبُ ممن يُعيبُ على القدر , و هو يلمسُ العيبَ في البشر , فكيفَ بنا , و الأوجاعُ عظيمه , و النفوسُ سقيمه , و البلادُ منهكة ُ الجراح , كلّ شيءٍ فيها مُستباح ؟!! حتى ضاقَ الرّتقُ بالفتق , و اتسعَ الجُرحُ بالرمح … إستدركَ احدهم : ما بالُ محدّثِنا و قد غلبتهُ الهموم , و تلبّدتهُ الغيوم ؟
قال : يا عباد , استفحلَ في مرابعِنا الفساد , و انتشرَ انتشارَ الطاعونِ في البلاد .. و حلـّتِ السرقة ُ محلَّ الصدقه , و الخطفُ بدلَ العطف , و الإعثارُ مقابلَ الإيثار , و الشّراهة ُ موضعَ النزاهه , و لم ينجُ من هذا الخطب , إلاّ من رحِمَ الرب … و ما سنرويه , قطرة ٌ في بحرِ ما نعنيه , و حبة ٌ في رمالِ التيه …و لكم التعليقُ أيها الحضور , و من احتفظ بمقالِهِ فهو معذور …
ففي آخرِ يومٍ من الإمتحانات , جهزتُ الرزمَ و الملفات , و رتبتُ القوائمَ و الإستمارات , بعدَ أن كُلـّفتُ بإدارةِ أحدِ المراكز الإمتحانيه , ضمن قاطعِ المديريه …
و أردفَ محدّثُنا الجسور : طلبتُ – كالعادة – توقيعَ المراقبينَ على قوائمِ الأجور , على وفقِ سجلِّ الغيابِ و الحضور .. ثم سلـّمتُها مع المعدات , إلى اللجنةِ الدائمه , بعدَ أن فقـّطتُ ذيلَ القائمه …
و بعدَ فترةِ طويله , و أسابيعَ مليله , هلّ هلالُ صرفِ المراقبات , فاتجهتُ مع قائمتـي
( الثانية) إلى لجنةِ الإمتحانات .. و بعدَ خذ و هات , و زحمةِ المراجعينَ في الممرات , سلـّمتني موظفة ُ الحسابات ِ نسخة َ الأجورِ الأصليّه , مدونا فيها مبالغَ المراقبين الكليه … ثم قال : أخذتُ الورقه , و دققتُ بنظرةٍ معمّقه .. و إذا بي أقراُ خمسة َ أسماءٍ مضافه , تمّ درجُها في ذيلِ القائمةِ بكلِّ صلافه …
إلتفتتُ إالتفاتة َ المبهور , و قلتُ بلا شعور : ليسَ في نسختي أيُّ اسمٍ مضاف ’ فلماذا هذا الإختلاف ؟ و من أضافَ تلكَ الأسماء ؟
ردّت الموظفة ُ بازدراء : عمالٌ فقراء .. موظفاتٌ يعملنَ في المديريه , ( خطيـّه ) !!!
أجبتُ في الحال : لا أعرفُ عناوينهُن , فكيفَ أوصلُ أجورَهُن ؟!
قالت : ليسَ لهُنَّ غيري ملاذ , يا أستاذ !!!
ثم تابعَ محدّثنا : إستغفرتُ ربي , و خرجتُ متعثراً بدربي , مترنحاً بينَ صمتٍ خجول ’ أو إبلاغِ مسؤول … و إذا بي أسمعُ بعضَ الزملاء , يُتمتمونَ بنفسِ مشكلةِ الأسماء , حتى بدت المسألة ُ أقربَ إلى الواقع , و لا من متابع , أيها السامع …
علقَ أحدُ الحاضرين : و أزيدُكَ من الأنين , رشاوى التعيين , اعانَ اللهُ المساكين .. ولا عجبَ في أرضِ العجب , فطرقُ التلاعُبِ و السّرقةِ كثيره , و فنونُها محبوكة ٌ خطيره , و ما من فرج , و نحنُ في هرجٍ و مرج … قال : أليسَ من واجبِ لجانِ النزاهه , مُرتدي ألقابِ الوَجاهه , و مكاتبِ المفتش العام , محاربة ُ الحرام , و المحافظة على المالِ العام ؟!! وهل بعدَ خرابِ البلدِ من خراب , و اختفاءِ ( ملايين الدولارات) من إنفلات ؟!! أما من ضميرٍ ينفخ ُ في نعش ِ الفقير , و يقلـّمُ اظافرَ السُرّاق في العراق ؟ أم تلبّست الجميعَ حمّى الخـَدَر , و أعياهُم النومُ على الحجر ؟!!
و أنشدَ يقول :
أما من ضميرٍ يُداوي الجراح ْ
فداءُ الفسادِ اشرأبَّ و فــاح ْ
يئـــنُّ الفقيـــرُ بلإملاقـــــهِ
و أموالُـنا في مهبِّ الريــاح ْ
بلا وازعٍ أو حسـابٍ حكيـــــم
لأنَّ ( النزاهة َفي الإنبطاحْ)
أقول : اللهمَّ افتك بكلِّ سارقٍ و مارق , و تحنّن على الفقيرِ الغارق .. و افضح ألاعيبَ المتشدّقين و المدّعين , و الجلاوزة َ و المرتشين .. و احفظ ( خزينتنا ) من الإفلاس و الخواء , إنكَ وليُّ الفقـراء …..