ياسين العطواني
تُطرح هذه الأيام في أروقة السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومجلس شورى الدولة العديد من مشاريع القوانيين والتشريعات المهمة، وبما ينسجم مع طبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد.
ولعل من أبرز تلك القوانين، هو تعديل قانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة.
وقد كثر الحديث عن هذا القانون، وعن طبيعة وعمل الهيئة التي تقوم بتطبيق هذا القانون، والمتمثلة بهيئة المساءلة والعدالة، والتي تعتبر احدى أهم مؤسسات العدالة الانتقالية.
وهذا الأمر يدعونا للحديث عن تجربة العدالة الانتقالية، ومدى النجاح والاخفاق المتحقق في هذه المرحلة الانتقالية، فالمعروف ان الفترات الانتقالية في حياة الشعوب والأمم، تُعد من أصعب المراحل التاريخية في سُلم تطورها، أثناء عملية التغيير والتحول من النظام الشمولي الدكتاتوري الى النظام الديمقراطي التعددي، خصوصاً إذا شملت تلك التغيرات نظام
الحكم، والنهج السياسي والايديولوجي لهذا النظام، ومؤسسات الدولة المختلفة، وكذلك نمط وسلوكيات العلاقات الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
ولكن مع وجود كل هذه التحولات هناك من يعتقد ان أفضل طريق يمكن سلوكه وتجنب تلك المطبات يكمن في مفهوم العدالة الانتقالية، على اعتبار ان هدف مؤسسات العدالة الانتقالية، هو السعي الى بلوغ العدالة الشاملة أثناء فترات الانتقال السياسي من الشمولية الـى الديمقراطية، ومـعـالجة إرث انتهاكات حقوق الانسان في الماضي، ومساعدة الشعوب على هذا الانتقال بشكل مباشر وسلمي بهدف الوصول إلى مستقبل أكثر عدالة وديمقراطية، فقد أكدت التجارب العالمية، بأن كل وضع غير ديمقراطي واستبدادي ينتج صوراً مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولأنه لا يمكن التقدم للأمام وتحقيق أي أنتقال ديمقراطي ما لم تتم معالجة ملفات الماضي المتعلقة بالانتهاكات والجرائم المُرتكبة من قبل النظُم الدكتاتورية.
أما بشأن التجربة العراقية في تعاملها مع العدالة الانتقالية، كمفهوم وتطبيق، فإنها تختلف بعض الشيء عن التجارب العالمية، وذلك لجملة من المبررات والمعوقات التي انفردت بها الحالة العراقية قبل وبعد التغيير عن مثيلاتها من التجارب العالمية، وتقف في مقـدمتها طبيعة ومنـهـجـية النظام السياسي والايديولوجي الذي حكم البلاد طوال تلك العقود المنصرمة، والذي عُرف بأفعال وأساليب وممارسات لم يشهد لها مثيل عبر التاريخ المدون، ليس في نهجه القمعي والتسلطي، بل في كيفية إدارة شؤون الدولة ومؤسساتها، والنهج الايديولوجي الذي أصطبغت به تلك المؤسسات والمجتمع عموماً.
الأمر الآخر يكمن في حجم ونوعية التركة الثقيلة التي أورثها ذلك النظام للشعب العراقي، وهي من الثقل بحيث سيبقى ظهر العراق ينوء بها لسنوات ولربما عقود طويلة. كما يمكن أن نضيف إلى تلك الخاصية للنظام البائد وأزلامه، خاصية اخرى تتمثل بأننا حتى اليوم ومنذ سقوط ذلك النظام لم نشهد أية عملية اعتذار أو استعداد لإبداء الندم، أو كشف لأسرار عمليات القمع والقتل الفظيعة التي قام بها أزلام ذلك النظام، بعكس تجارب عالمية، اعتذر فيها الجلادون وكشفوا أدق التفاصيل في علميات القمع التي قاموا بها.
وهذا يعني ان طبيعة النظام المباد، والايديولوجيا التي يتبناها، والمتمثلة بالبعث، كمنظومة سياسية وفكرية، تفتقر الى ثقافة الاعتراف والندم، مقابل ثقافة التسامح والصفح. ولهذا فإن الاخفاقات التي قد حصلت في تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية، كانت بسبب هذه الاشكاليات والتداعيات التي رافقت عمل مؤسسات العدالة الانتقالية في العراق، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة. لذا فإن أي أجراء أو تعديل لقانون هذه الهيئة، المعروض اليوم أمام مجلس النواب، يجب ان يأخذ هذه التداعيات، وهذه الخصوصية العراقية بنظر الاعتبار. ونظراً لأهمية الموضوع وحساسيته، ولضمان نجاح هذه التجربة، ينبغي على الجميع المشاركة في النقاش الدائر بشأن مواجهة وتصفية تراكمات العهد المباد، واختيار
أفضل السبل لتحقيق المصالحة الوطنية، ومنع عودة الدكتاتورية من جديد.