نهلة الشهال
قررت المحكمة العليا في دلهي منع عرض فيلم «ابنة الهند» الذي بث في يوم المرأة في 8 آذار (مارس) في بلدان عدة من العالم في آن. يستحضر «ابنة الهند» بشكل ما «أم الهند» (أو «من أجل أبنائي»)، الفيلم الميلودرامي الشهير الذي أخرج في 1959 وبقي في صالات العالم كله لسنوات، وذهب مثلاً في الإشارة إلى البؤس المريع والى شجاعة وتضحية النساء، ممثلات بنرجس المكافحة، كتجسيد لمُثل الهند وقيمها.
في المقابل، يحكي الوثائقي الحالي قصة اغتصاب الشابة جيوتي سينغ في نيودلهي في كانون الأول (ديسمبر) 2012 ثم موتها بعد أيام نتيجة إصاباتها الفادحة. أدت الحادثة التي هزت وقتها البلاد إلى خروج مئات الألوف في تظاهرات متكررة للمطالبة بتشديد العقوبات، وهي تحولت إلى قضية رأي عام ففرضت على السياسيين والمشاهير من كل صنف التعبير عن موقفهم، وأدت فعلاً إلى صدور تشريعات برلمانية متشددة بحق المغتصب تصل إلى الإعدام. وكان سيد الموقف استنكار التساهل في التعامل مع الاعتداء على النساء في بلد حكمته انديرا غاندي لسنوات، وتحتل شريحة من نسائه مكانة مرموقة، وتلتحق بالجامعات وبسوق العمل مئات ألوف الفتيات سنوياً. وتميزت من بين ردود الفعل تلك التي قام بها ممثلون كبار من بوليوود (منهم شاهروخ خان، «أشهر ممثل في العالم» لو اعتمدنا على أعداد متابعيه) ومخرجو أفلام تساءلوا عن مسؤوليتهم عن هذه الحال، وكيف أن مشاهد اغتصاب النساء في السينما الهندية متكررة و «اعتيادية»، عدا عن تقديم النساء كأدوات للمتعة ليس إلا… داعين الى «تغيير في العقليات السائدة».
الهند شبه قارة ويبلغ عدد سكانها ملياراً و200 مليون نسمة، ويصعب الكلام عنها بلغة إجمالية فلا تشابه بين المدن الكبرى والأرياف، ومنها ما هو سحيق، ولا تشابه بين المناطق التي تملك لغات متفارقة، ولا بين الطبقات، ولا بين «الملل»، ليس الدينية منها فحسب، ولكن أيضاً الاجتماعية المنظمة وفق تراتبية قام الاستعمار بتعزيزها عبر تقنينها. فعلى رغم قرارات وقوانين التمييز الايجابي لمصلحة الداليت مثلاً («الذين لا يُمسَّون») وهم في أسفل السلم، فإنهم ما زالوا عرضة للمعاملة السيئة والاحتقار. وكمثال، فنسبة اغتصاب النساء من الداليت هي الأعلى في البلاد.
ليست الهند في أعلى سلم البلدان التي تقع فيها اغتصابات. هذا مؤكد، على رغم أن الأرقام المسجلة لا تطابق الواقع، إذ ما زال الكثير من العائلات لا يتقدمون بشكاوى تجنباً للعار، وما زالت أقسام البوليس ترفض أحياناً تسجيل الشكاوى، ويتحول الضابط إلى واعظ يلوم المرأة على خروجها بمفردها أو على طريقة لباسها (هل يذكّركم هذا بشيء؟ انتم محقون!). النسبة المسجلة في الهند هي 24.923 حالة اغتصاب في 2012، أي 2 لكل 100 ألف، بينما هي في السويد مثلاً 66.5 اغتصاب لكل مئة ألف إنسان، وفي بريطانيا 24.1 لكل مئة ألف. وتبقى أعلى النسب وفق الأمم المتحدة عائدة لجنوب أفريقيا حيث تبلغ 114.9 لكل مئة ألف. وقد استُند إلى هذه الأرقام للإشارة إلى غَرض الاهانة المتعمدة والتشهير الذي اعتمدته المخرجة البريطانية لفيلم «ابنة الهند»، ما جعل الدفاع عن عرضه شاقاً، وهو من إنتاج بي بي سي… فكان من السهل اعتباره استعمارياً متعالياً، ولم تعدم الأصوات التي اتبعت نهجاً «وطنياً» متعصباً، فنصحت البريطانيين بأن يكنسوا أمام أبواب منازلهم قبل الاهتمام بالآخرين (هل يذكّركم هذا بشيء؟ انتم محقون!). وقال وزير الداخلية في تبرير قرار منع عرض الفيلم انه «يحقّر النساء»، استناداً إلى أقوال المدان الأساسي في عملية الاغتصاب الجماعية تلك والذي تمكنت المخرجة من مقابلته طويلاً في سجنه. والأخير قال إن النساء مسؤولات عن التسبب باغتصابهن (هل يذكّركم هذا بشيء؟ انتم محقون!)، وأن على المرأة التي تتعرض لتحرش واغتصاب أن ترضخ للفعل وألاّ تقاوم حتى لا يؤدي ذلك إلى قتلها، وانه لا يفهم ما كانت تفعله تلك الطالبة في التاسعة ليلاً (كانت خارجة من مشاهدة فيلم، واستقلت حافلةً تآمر سائقها مع أصدقاء له على اغتصابها)، وكيف تخرج مع شاب لا تربطها به صلة قرابة (كانت مع صديقها)، وانه غير نادم ولا مذنب الخ… وقد كرر هذه الاقوال بطريقة اكثر تنميقاً. سياسيون هنود من كل الملل والنحل وكتّاب محافظون اعتبروا ان سلوك النساء وتحررهن المتزايد هو سبب تعرضهن للاغتصاب، بل أيد احدهم القوانين المتشددة بحق المغتصبين التي سنّها البرلمان على أن تسن قوانين تعاقب النساء على قلة احتشام ملابسهن او سلوكهن (ما يذكّر بممارسة شائعة في الهند نفسها تجعل بعض الاطباء يفحصون النساء اللواتي «يدّعين» تعرضهن للاغتصاب، وذلك للتحقق من اعتيادهن على ممارسة الجنس ورفض الادعاء)… بينما وقفت في الوسط أصوات أخرى اعتبرت أن الأمر يعود إلى نقص في الإجراءات الأمنية، أي إلى مشكل تقني، واتجهت أعداد متزايدة من الشابات إلى تعلم الفنون القتالية ليتولين الدفاع عن أنفسهن.ما أثار الرأي العام في قصة طالبة المعهد الطبي في نيودلهي جيوتي سينغ هو… انتماؤها إلى الطبقة الوسطى المدينية. فعدا الداليت، هناك عشرات الفلاحات اللواتي يغتصبن كل يوم، بل هناك حادثة شهيرة لمجلس قروي قرر معاقبة فتاة لأنها ترتبط بعلاقة غرامية مع شاب من قرية مجاورة بعقوبة مالية. ولما لم يتمكن أهلها من دفع المبلغ، قرر المجلس القروي بكل علانية إيقاع عقوبة الاغتصاب الجماعي عليها، وذلك من قبل كل رجال القرية، أو فلنقل من يرغب.وما أثار الرأي العام كذلك هو الوحشية المجانية في الحادث حيث، عقاباً لها على مقاومتها الاغتصاب من قبل خمسة رجال، جرى إدخال قضيب حديدي صدئ في رحمها وتمزيقه وتمزيق أحشائها في شكل كامل. ثم رميت وصديقها الذي ضرب حتى الإغماء على قارعة الطريق. حكم على الرجال بالإعدام، واستأنفوا فلم ينفذ الحكم حتى الآن.تلف التعقيدات الفيلم الوثائقي (الذي قالت النسويات الهنديات أنفسهن أنه قد يحتاج إلى بعض التعديل)، لكن منعه (هو على يوتوب لمن يرغب) هو من قبيل دفن الرؤوس في الرمال.