داليا داسا كاي
أعاد الهجوم الإرهابي المأسوي على متحف «باردو» الوطني في تونس الأسبوع قبل الماضي هذه الدولة إلى الخريطة مرة أخرى، ولكن لأسباب خاطئة. فعلى الرغم من أن الدولة تواجه تهديدات إرهابية خطيرة نتيجة لتداعيات العنف في ليبيا، من جانب الجماعات المتصلة بـ«القاعدة» و«داعش»، إلا أنه من المهم ألا يحصل الغرباء على انطباع أن تونس هي دولة عربية أخرى فاشلة وعلى حافة الفوضى.
وبدلاً من ذلك، يجب أن تَلقى تونس التقدير، لأنها استطاعت أن تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً، للشرق الأوسط نموذج يقدر التعددية والتنمية وعازم على مواجهة التطرف. وللتأكيد، فإن تونس لديها طريق طويل لتقطعه، لكي تترجم مثل هذه الطموحات إلى واقع. وفي طريقي إلى مطار تونس، مرت سيارة الأجرة التي أستقلها بعشرات من المباني التي لم تكتمل بعد، والتي تعكس المزاج العام في البلاد– ثورة اكتملت جزئياً.ورغم ذلك، فهناك شعور بالتفاؤل والفخر بأن هذه الدولة التي بدأت «الربيع العربي» هي الوحيدة التي تمكنت من استكمال التحول السياسي الديمقراطي بنجاح. فقد أدت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أواخر 2014 إلى تشكيل حكومة ائتلافية شاملة، تسيطر عليها الكتلة العلمانية «نداء تونس»، وحزب «النهضة» الإسلامي. ومع أن النهضة لا يحمل سوى منصب وزاري واحد، إلا أنه وافق على الانضمام إلى الحكومة بدلا من أن يظل حركة معارضة. والتونسيون يحدوهم الأمل في أن يوفر هذا الانتقال السياسي السلمي، الذي حدث خلال الأشهر الأخيرة، الفرصة لتحسين الأمور بعد أربع سنوات مضطربة. والشعب التونسي على استعداد لإعادة الحياة الطبيعية وتحفيز التنمية والنمو. وسيكون من المؤسف أن يجعل الهجوم الإرهابي الأخير تقدم الدولة معلقا مرة أخرى. وإلى جانب هذا الشعور بالتفاؤل، هناك مخاوف واسعة النطاق ألا تصمد الإنجازات السياسية إذا لم يسارع الزعماء بتقديم ثمارها للشعب. فكما قال أحد المتحدثين خلال مؤتمر حضرته مؤخرا، فإن تونس لديها ثورة سياسية، لكن الثورة الاقتصادية لم تبدأ بعد. والفكرة الأساسية المستخلصة من المؤتمر الذي حضره النخبة من كبار رجال الأعمال في تونس ومستثمرون دوليون، هي أنه بدون التنمية الاقتصادية والاستثمار، سيكون من الصعب الاستفادة من مكاسب تونس السياسية وبناء ديمقراطية مستدامة في العالم العربي. والتحديات هائلة. فمعدل البطالة لا يزال أعلى منه قبل ثورة 2011، حيث بلغ 40% في بعض المناطق الأقل نموا في البلاد. كما أن الهياكل الاقتصادية القديمة التي تسيطر عليها الدولة ما زالت قائمة، مع استمرار المخاوف بشأن الفساد وانخفاض الإنتاجية. ولا تزال المخاوف بشأن الاستقرار تهدد الاستثمار. وحتى قبل هجوم متحف “باردو”، فإن عدم الاستقرار في ليبيا والمخاوف بشأن تهديد المتطرفين جعلت من الصعب جذب المستثمرين والسياح. وعلى الصعيد الأمن، فإن دمج التهديدات الخارجية والداخلية أصبح أكبر من أي وقت مضى، ما يتطلب إعادة هيكلة قوات الأمن التي لم يطرأ عليها تطور يذكر منذ الثورة. كما ستتطلب إصلاحات قطاع الأمن موازنة المخاوف الأمنية وع الحفاظ على المجتمع المدني والحريات الأساسية. وهذا التوازن سيصبح أكثر صعوبة في أعقاب هجوم المتحف، حيث أن الأولوية ستنتقل حتما نحو تعزيز الاستقرار.
لذا، فإن تونس تواجه لحظة حرجة، وهي تحاول أن تثبت أن نموذجا مختلفا في المنطقة يمكنه أن يحقق النجاح، نموذج للإشراك المجتمعي والتسامح والازدهار الاقتصادي. إن تونس أمامها عمل كثير، لكنها تملك الرؤية. ولا يمكن لأي شيء أن يتحدى تطرف تنظيم “داعش” وغيره من المتشددين أكثر من نموذج بديل قادر على النجاح.

