علي شايع
من شعر العامية المصري أذكر “ناح النواح والنواحة..على بقرة حاحا النطاحة”.. وفي أخبار كل زمان، توجد (بقرة) في قصة عجيبة، وبالتأكيد حكاية البقرة التي لها سورة – هي الأطول في القرآن الكريم – معروفة، ولا مجال هنا لسرد وقائع جدل قوم النبي موسى عن شكلها ومواصفاتها، بالطبع يطول الحديث عن (أبقار أخرى) تأخذ بعد القداسة في ديانات ومعتقدات معينة، وكذا الأمر، فان لدى العلمانيين حكايات طريفة، ولعل أجملها ما أنشده من شعر سياسي الشاعر الثائر أحمد فؤاد نجم ورفيقه (الشيخ إمام) يوم كانا في دوام التمرد على الديكتاتوريات.
خرج الشاعر من سجنه الطويل ليعود إليه معتقلاً بعد أن جاب المقاهي مغنياً بصحبة عزف الشيخ الضرير وهو يدندن على عوده الرنان، لاعناً أحوال مصر أيام الطغيان:” ناح النواح والنواحة..على بقره حاحا النطاحة.. وبيوم معلوم حاحا..عملوها الروم..حاحا..زقوا الترباس..حاحا..هربوا الحراس..حاحا..دخلوا الخوجات..حاحا..شفطوا اللبنات..حاحا والبقرة تنادي..حاحا وتقول يا ولادي..حاحا..وولاد الشوم حاحا.. رايحين ف النوم حاحا”.
بعد سنوات طويلة، سأعيد كلمات الشاعر البهي، مرسلاً إياها ببريد ساخر لأحد الإعلاميين العرب، من الباحثين عن الشهرة ببرنامج فضائية خليجية، خصص منه حلقة (شجار ونياحه) لقضية فنطازية؛ عن “جندي عراقي ترك ساحة المعركة ليسرق بقرة من مدينة تكريت”.. حتى ناح النواح والنواحة!. وما كان نياحهم الكاذب ليشبه حزن شاعرنا المصري الرائع، لأنه حزن صادر من عمق الروح المثابرة في المواجهة ونقل هموم الناس.
حزن الشاعر سبقه حزن واحتجاج لشاعر عراقي، سنة 15 هجرية!، من أهل ارض السواد، أيام كانت قليلة عهد بالنواح رغم وجودها تحت حكم الفرس، وعندما قرر العرب فتح العراق، معتمدين على عنصر وفرة الخير، دخلت الجيوش الأولى كحملات وغارات قبل معركة القادسية الشهيرة، وحصلت مجموعة من الوقائع، من أهمها وأغربها على الإطلاق وما ينقله المؤرخون بالإجماع، وهم يصفون حالة النهب لتلك الجيوش، وليست هنا الحكاية!، فتلكم المجاميع القادمة من الصحراء معذورة قبالة ما صادفوه، واعتبروه “بستان قريش”، وكانوا يشيعون أن الأرض بما عليها تناديهم، فها هي مجاميعهم تخترق المزارع الكثيفة فيصادفون رجلاً يستنطقوه عن مكان (البقر والغنم) “قال: لا أعلم؛ وإذا هو راعى ما في تلك الأجمة، فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء”.
ولكثرة ما غنموه من أبقار تلك الأرض وما سيق إلى مشارف الصحراء لتذبح للجيش سمي (يوم الأباقر) فلا عهد لهم برؤية وأكل هذه الأعداد من الأبقار.
ويذكر المؤرخون سخط أهل العراق مستذكرين الواقعة، بسخرية دائمة من حكاية (الثور الذي كلم الجيش) حتى ان (الحجاج الثقفي) لم يصدق الحكاية وجمع بعض شهود من أهل المنطقة ليتأكد منهم عن فرح الأبقار بجيوش الفتح.

