بقلم: د. فاضل علي، باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
منذ سنوات طويلة، يُراود التسليمُ أو الانهيارُ مخيّلةَ الكثير من أعداء الجمهورية الإسلامية ومعارضيها في غرف تفكيرهم، باعتباره «نهاية محتومة»؛ نقطة يُفترض أن تصل إليها إيران بعد الغزو الثقافي، والحرب الاجتماعية، والضغط الاقتصادي، والعقوبات، والحرب العسكرية، ومؤخراً الحصار البحري، بحيث تشتعل نيران السخط الاجتماعي الكامنة تحت الرماد، وينتهي الأمر – مع ارتفاع صوت تكسّر عظام البنى الاقتصادية – إلى الاستسلام وانهيار النظام السياسي للبلاد.
هذا التصوّر ليس وليد اليوم أو الأمس، بل مُنذ السنوات الأولى بعد الثورة وحتى اليوم، وُعِد الأعداء والمعارضون مراراً بعرض هذا «الفيلم» على مسرح تاريخ إيران وجغرافيتها. لكن كلاً من تاريخ إيران وجغرافيتها يرويان قصة مختلفة. تكمن المشكلة في أن جزءاً مهماً من هذه التحليلات ينظر إلى إيران كدولة-أمة تقليدية ذات شرايين رئيسية قليلة يمكن قطعها؛ في حين أن إيران أبعد من أن تكون «نظاماً بسيطاً»، فهي نظام معقّد، متعدد الطبقات، وتاريخي؛ له شبكات لا تظهر جميعها في البنية الرسمية للدولة (بوصفها السلطة التنفيذية). وهذا التعقيد بالذات هو نقطة ضعف إيران من جهة، ويمكن في ظروف الأزمة أن يتحوّل إلى أحد أهم مصادر صمودها من جهة أخرى. فإيران ليست الجمهورية الإسلامية فحسب، والإيرانيون ليسوا مجرد مواطنين في نظام سياسي واحد. لقد عاشت إيران، قبل الجمهورية الإسلامية، قروناً من تجربة العيش في ظروف انعدام اليقين، والحرب، والحصار، والاحتلال، وتغيير الحكم، وعدم الاستقرار. وتعلّم الإيرانيون عبر التاريخ كيف يجدون طريقاً بديلاً حين يُغلَق المسار الرسمي؛ كيف ينقلون الموارد، وكيف يُغيّرون التجارة، وكيف يتكيّفون مع القيود، وكيف ينظّمون ويعيدون تنظيم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية بين البنية الرسمية والشبكات غير الرسمية. هذا هو الجانب المجهول من «الصمود الحضاري الإيراني» الذي يُغفَل في كثير من الحسابات الجغرافية-السياسية والسياسية. والدراسات الحديثة حول الاقتصاد الإيراني في فترة العقوبات تؤكّد هذه الحقيقة إلى حدّ ما. فقد أظهرت دراسة حول تركيبة التجارة الخارجية الإيرانية في سنوات العقوبات أن الاقتصاد الإيراني، بدلاً من أن ينعزل عن العالم ببساطة، جعل جغرافيا تجارته أكثر تعقيداً؛ إذ تغيّرت المسارات والشركاء التجاريون وتركيبة السلع، وانتقل جزء من التجارة إلى شبكات أقل ظهوراً في الإحصاءات الرسمية والنماذج التحليلية المبسّطة الخاصة بالعقوبات. بل حتى في البيانات التجارية الرسمية، لا يُسجَّل بدقّة جزء معتبر من المبادلات الحدودية مع بعض الجيران، بسبب طبيعتها غير الرسمية. وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل طرح مسألة الحصار البحري لإيران. فإيران بلد ذو حدود برّية طويلة، وجيران متعدّدين، ومنافذ إلى عدّة نطاقات جغرافية مختلفة. وقد أعاد الاقتصاد الإيراني، على مدى سنوات العقوبات، شاء أم أبى، تصميم جزء من آلياته لمواجهة مثل هذه الظروف. فالشبكات التجارية الحدودية، والشركات الوسيطة، والمسارات متعدّدة المراحل، والتجارة مع الجيران، والآليات غير الرسمية لنقل السلع والأموال، وإن كانت تفرض تكاليف كثيرة على الاقتصاد، إلا أن لها وظيفة أخرى: تقليل هشاشة الاقتصاد أمام انقطاع مسار واحد. وهذا لا يعني أن إيران محصّنة ضد الحصار الاقتصادي، أو أن العقوبات والحرب بلا كلفة؛ بل على العكس تماماً، فقد تكون تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية باهظة جداً. كما أظهرت دراسات سابقة أن العقوبات ألحقت ضرراً جدياً بالرفاه، وقيمة العملة الوطنية، والاستثمار، وكثير من المؤشرات الاقتصادية الإيرانية. ومع ذلك، فالنقطة المهمة هي أن «الهشاشة» ليست مرادفة لـ»الانهيار». والمسافة بين هذين المفهومين هي بالضبط ما يُوقِع كثيراً من الحسابات السياسية بشأن إيران في الخطأ. كانت إيران، خلال العقود الأربعة الماضية، بمثابة مختبر كبير للاقتصاد في ظروف الضغط. فمن الحرب التي دامت ثماني سنوات، إلى العقوبات الواسعة في العقد الممتد من ٢٠١٠ إلى ٢٠٢٠، ثم سياسة «الضغط الأقصى»، اضطُرّ المجتمع والاقتصاد الإيرانيان مراراً إلى التكيّف مع ظروف كان يمكن أن تؤدّي في كثير من الدول إلى انهيار سريع. وتؤكّد الدراسات المتعلقة بالصمود الاجتماعي الإيراني في زمن الحرب على القدرة التاريخية نفسها؛ وهي قدرة تتغذّى من الشبكات الاجتماعية، وتعبئة الموارد، والتجربة الجماعية للأزمات. ومن هذا المنظور، ربما يكون أكبر خطأ حسابي يرتكبه الأعداء والمعارضون هو افتراضهم أن «السخط» يساوي بالضرورة نتيجة «الانهيار» المحتومة.
لا شكّ أن المجتمع الإيراني اليوم يواجه انقسامات، وحالات سخط، وضغوطاً اقتصادية، وأزمة ثقة. ولا يستطيع أي تحليل جادّ تجاهل هذه الحقائق. لكن المجتمع الساخط ليس بالضرورة مجتمعاً منهاراً. بل إن مجتمعاً ساخطاً من كثير من سياسات حكومته قد يُفرّق، عند مواجهة تهديد خارجي، بين «السخط على الحكومة» و»الحفاظ على إيران». وهذا هو المتغيّر المعقّد الذي كثيراً ما تغفله نماذج الانهيار المبسّطة. ومن هنا فإن «كابوس الانهيار» قد يكون أقرب إلى أمنية بعيدة منه إلى تحليل جغرافي-سياسي واقتصادي-سياسي دقيق. فانهيار بلد كبير يضمّ أكثر من ٨٠ مليون نسمة، وأرض شاسعة، وموارد طاقة، وقدرة صناعية، وشبكات حضرية وريفية، وحدود طويلة، وعقود من تجربة العيش تحت العقوبات والحرب، لا يحدث بهجوم عسكري واحد أو بضعة أشهر من الضغط الاقتصادي. فمثل هذا الانهيار يتطلّب تراكماً وانفجاراً متزامناً لعدّة أزمات شاملة لا حلّ لها، من بينها: خلل دائم في الوصول إلى الماء والطاقة والسلع الحيوية الأخرى، وفقدان الموارد المالية للدولة، وتصدّع جدّي في بنى الحوكمة، والأهمّ من ذلك كله: تصدّع جدّي في التماسك الاجتماعي ناجم عن فتنة كبرى أخرى (كأحداث ٨-٩ يناير). بعبارة أخرى، إن كان لمشروع انهيار إيران أن يتحقّق يوماً، فمساره بالتأكيد لن يمرّ عبر القصف ولا عبر الحصار؛ بل سيهيّئ له التآكل الطويل الأمد لقدرات المجتمع الداخلية.وهذه النقطة ينبغي أن تكون بدورها تحذيراً جدياً للنظام أيضاً. فالصمود التاريخي لإيران لا ينبغي أن يكون ذريعة لاستمرار سوء الإدارة، والتضخّم، والفساد، وتآكل رأس المال الاجتماعي، والقرارات الباهظة الكلفة. فما من حضارة صامدة إلى الحدّ الذي يجعلها قادرة على تحمّل تكلفة سوء الإدارة إلى ما لا نهاية. وكما قد يُخطئ أعداء إيران في تقدير قدرتها على الصمود، فإن الحاكمين أيضاً، إن ظنّوا أن صمود الشعب لا نهاية له، سيرتكبون خطأً استراتيجياً كبيراً. والحقيقة أن إيران اليوم ليست بلداً لا يُقهر، وليست بلداً جاهزاً للانهيار؛ بل إن الأمر أعقد من كلا السيناريوهين. ومع ذلك، ينبغي التحلّي باليقظة في الوضع الراهن، وضع «لا حرب ولا سلم»، وعلى المؤسسات الصانعة للسياسات والقرار في البلاد أن تتّخذ قرارات حاسمة وجريئة وحكيمة لإدارة أوضاع البلاد بمختلف أبعادها، وأن تُخرج الحوكمة من فخّ عدم اتّخاذ القرار، وسوء القرار، وتأخّر القرار. فإيران بلد تعلّم فيه جزء مهمّ من المجتمع والاقتصاد وبنى الحوكمة، على مدى عقود، كيف يعيد تنظيم نفسه في ظروف الضغط. وإيران ليست جغرافيا محدودة ولا تاريخاً سطحياً يمكن الضغط عليه في كمّاشة وتدريجياً احتواؤه وإنهاكه وتحويله في النهاية إلى خراب. فإيران اليوم شبكة اقتصادية واجتماعية وسياسية «مضادّة للهشاشة»، والشبكات المضادّة للهشاشة، خلافاً للنقاط الفردية، حين يُغلَق أمامها مسار واحد، تجد لنفسها مساراً آخر.
لهذا السبب، إن كان «كابوس الانهيار» الإيراني مقدَّراً له أن يتحقّق، فلن يكون ذلك خلال أشهر، بل ربما لن يكون حتى خلال سنوات، وإنما فقط في حال التآكل التدريجي لما كان حتى الآن أهمّ رأسمال لبقاء إيران: قدرة الإيرانيين على مواجهة الأزمات، وإعادة بناء المسارات، والحفاظ على حدّ أدنى من التماسك الاجتماعي في أصعب الظروف. لذا، فالمسألة الأساسية بالنسبة لمستقبل إيران ليست ما إذا كان بإمكان الإيرانيين تحمّل أزمة أخرى أم لا؛ فالتاريخ أجاب عن هذا السؤال مراراً. لكنّ تاريخ إيران حذّرنا بالفعل ثلاث مرات: عام ٦٥١ ميلادية بسقوط الساسانيين، وفي القرن السابع الهجري بغزو المغول، وفي عام ١٧٢٢م بسقوط أصفهان. والقاسم المشترك بين هذه المحطّات الثلاث أن الضربة الخارجية لم تُفضِ إلى انهيار النظام السياسي إلا حين كانت قدرة الصمود الداخلي قد تصدّعت مسبقاً، بفعل تآكل الحوكمة، والحروب الطويلة، والانقسامات الداخلية، وأزمة الشرعية والخلافة.
وبالتالي، فإن الصمود الحضاري الإيراني يُحذّرنا من حقيقة مهمّة أكثر من تأثّره بـ»قوة العدو»: إن إيران تصبح فعلاً معرَّضة للخطر حين يتزامن الضغط الخارجي مع التآكل الداخلي والتصدّع الاجتماعي.
لم نخسر الحرب، فلنكن يقظين ألّا نخسر السلم أيضاً.


لا يوجد تعليق