هنري فوي
في أواخر الثمانينيات، عندما كانا طالبين في براتيسلافا التي كانت تحت سيطرة السوفيات، اعتاد ستيفان كلاين ويوري فاكوليك الجلوس على الضفة الشرقية لنهر الدانوب والتحديق بشوق إلى النمسا، التي كانت تمثّل آنئذ الغرب والحرية.
فاكوليك، طالب المسرح، وجد الهروب من الواقع في مسرح اللامعقول.
لكن كلاين، المهندس الذي كان يدرس التصميم في ذلك الحين، كان يحلم بحل أكثر واقعية.
يتذكر فاكوليك، الذي يبلغ من العمر 48 عاماً الآن “خلال أعوام دراستنا، كنا نتساءل ما إذا سنكون قادرين على السفر إلى هناك على الإطلاق.
لقد تم خلق أفكار مختلفة. إحداها ولدت في رأس ستيفان: لماذا لا نحصل على سيارة طائرة؟”.
كان جدار برلين سيسقط في غضون عامين ونهر الدانوب سيبدو أقل اتساعاً بكثير أمام الخريجين اللذين كانا ينتميان إلى تشيكوسلوفاكيا آنذاك.
لكن ما كان موضوعاً في الصناديق التي حملها كلاين إلى المنزل من غرفته المستأجرة أثناء الدراسة كان أطروحة عن سيارة طائرة.
الآن، بعد عقدين ونصف من ذلك الزمن، يمكن لفكرته أن تغير مستقبل النقل الشخصي.
يقول كلاين، البالغ من العمر 55 عاماً “بعد عام 1989 حصلت على شهادتي في التصميم – وحصلنا على الحرية. كنت أُفكّر أن هذه كانت الطريقة المُثلى للسفر إلى الغرب. الأنموذج الأول كان حرفياً بمنزلة طفل للثورة”.
من مطار صغير مع مدرج من عُشبي وحظيرة صدئة في المناطق الريفية في سلوفاكيا، حول الرجلان ومجموعتهما الصغيرة من المهندسين المتحمسين أحلام الحرية تلك إلى مُنتج يُثير اهتمام صناعتي السيارات والطائرات في العالم.
ابتكارهما هو مجموعة من أحلام الخيال العلمي ورغبات في وسيلة نقل حديثة: فكر في فيلم “بليد رانر”، لكن حسب مجموعة دافوس.
إيروموبيل AeroMobil هي أول سيارة طائرة قابلة للتحوّل بالكامل في العالم. إنها تسير على الطرقات مثل سيارة من عصر الفضاء.
وتطير في السماء مثل طائرة خاصة. وإذا سارت الأمور كما هو مقرر لها، يمكن أن تصبح في كراجات الزبائن في غضون عامين.
سيارة بنتلي
إيروموبيل التي تسع لمقعدين، ليست أطول أو أوسع من سيارة بنتلي القياسية ذات الخمسة أبواب، ولها جناحان ينثنيان خلف قمرة القيادة الرئيسية، ومروحة على ظهرها تنثني بين جناحيها المسحوبين أثناء القيادة على الطريق.
بعد ظهر يوم من شهر شباط (فبراير) في مطار نيترا، على بعد 100 كيلو متر شرق براتيسلافا، خرجت السيارة من حظيرتها، وتوقفت لفتح جناحيها، وسارت بضع مئات من الأمتار على طريق عُشبي، ومن ثم استدارت وأقلعت.
من مكان وقوفها إلى أن ارتفعت مئات الأمتار في الجو لم يستغرق الأمر سوى ثلاث دقائق وبضع ثوان.
“جيمس بوند!” هو ما قاله فاكوليك بدون تفكير، عندما كان كلاين – كبير مُصممي السيارة، والمالك المُشارك والرجل الوحيد المؤتمن حالياً على الطيران بها – يُحلّق فوق الحشد الصغير الذي تجمّع للمشاهدة.
سعادته مفهومة. في عصر طائرات إيرباص A380 التي تسع 850 مقعدا، وتطير 17 ساعة بدون توقف، إضافة إلى حالات الانتظار التي لا تنتهي في طوابير الأمن، هناك اندفاع للحرية لا يمكن إنكاره في رؤية سيارة يدوية الصنع تُحلّق في السماء بعد أن تدحرجت خارج المرآب قبل لحظات من ذلك.
بعد الرحلة، وهي الأولى التي يشاهدها صحافي، قال كلاين: “من هذا المطار، بإمكاني أن أطير بالسيارة إلى أي مكان أريده في أوروبا، منطلقا من على بضع مئات الأمتار من العشب”.
الطيران يسير في دم كلاين. فجدّه ووالده كانا طيارين متحسمين. ابن عمه الثاني كان يطير مع سلاح الجو. ولا يزال ينقل عائلته بالكامل بالطائرة إلى كرواتيا لقضاء العطلات كل عام في طائرة “L40 ميتا سوكول” صغيرة تعود إلى عام 1959، بعد أن تدرب طيارا على يد القوات المسلحة التشيكية.
كلاين وفاكوليك ليسا وحدهما من راود حلم السيارة الطائرة. في عام 1917 أقلعت “كورتيس أوتوبلين” من الأرض لبضع ثوان لتضمن مكانها في كتب التاريخ أول سيارة طائرة في العالم.
ومنذ ذلك الحين، تم أخذ عشرات المفاهيم الأخرى إلى السماء – والطرقات. وإيروموبيل لديها منافس حديث في مشروع تيرافوجيا، الذي بدأ في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا وهو الآن شركة خاصة تتسابق مع الشركة الناشئة السلوفاكية من أجل إدخال السيارة الطائرة إلى الأسواق.
تيرافوجيا، مثل إيروموبيل، أطلقت أنموذجها الأولي في الهواء وأظهرت قدرتها على القيادة على الطرقات.
لكن في حين أن مُنتج تيرافوجيا مُصمم ليكون طائرة مع أجنحة تتقلّص لتسير مسافات قصيرة على الطريق، يقول مبتكرو إيروموبيل إن ميزتها الفريدة تكمُن في تصميم المركبة سيارة قابلة للتحوّل بالكامل، مناسبة للقيادة والطيران في آن معا.
يقول كلاين، الذي لا يزال يرتدي سترة الطيران الجلدية: “أردنا استحداث شيء يمكن فيه ارتداء قبعة واحدة فقط، وليس قبعة سيارة أو قبعة طائرة. لا أحب الحلول الوسط”. ويضيف: “أن تكون قادراً على القيادة عبر المدينة وأن تكون في الجو بعد خمس دقائق تُحلّق بعيداً. إنه الشعور بالحرية الأكثر روعة”.
وهو يرى أن تجربة الطيران لا تختلف عن أية طائرة صغيرة تم بناؤها لغرض ما. وليست هناك أية مقصورة مضغوطة أو إمدادات أكسجين، لذلك الارتفاع يقتصر على ثلاثة آلاف متر، لكنها تأتي مجهزة بالكامل مع نظام الطيار الآلي والمظلات المدمجة.
تقول شركة إيروموبيل إن مركبتها تتباهى أيضاً بأول عمود توجيه في العالم يعمل عجلة قيادة ومقود طيران في الوقت نفسه، ما يعني أن التبديل بين قيادة الطريق، والإقلاع والطيران لا يتضمن تبديل أجهزة السيطرة. كذلك يقول كلاين مازحاً، إن الهبوط أسهل بكثير مما هو في طائرة عادية، لأن العجلات الأربعة تعمل على تصحيح الهبوط الأكثر وعورة.
من ناحية، كلاين وفاكوليك هما رفيقا جامعة في منتصف العمر، وثريان بشكل مريح، يعيشان حلماً صبيانياً.
في الواقع، لقد تم بناء أول أنموذجين، يدوياً، في مساكن قلعة نيترا للعاملين القُدامى، القلعة التي تعود إلى القرن الحادي عشر، حيث يعيش كلاين ويعمل على صقل هوايته مخترعا مع شغف بالطيران.
لكن حول طاولة مجلس الإدارة في مقر الشركة في براتيسلافا، هناك خطة لجني كثير من الأموال.
حتى الآن، كامل تمويل الشركة البالغ 300 ألف يورو جاء من أموال فاكوليك، التي حصل عليها من مهنته الناجحة مسؤولا تنفيذيا في مجال التسويق.
الآن هو يبحث عن استثمارات جديدة بقيمة عشرة ملايين يورو لأخذ الشركة إلى مرحلة الإنتاج والتسويق، التي يمكن أن تأتي في بداية عام 2016.
يقول فاكوليك، الذي كان زعيماً طلابياً خلال الثورة المخملية التي أطاحت بالحكم الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا: “لقد بدأ الأمر حلما، لكنه لم يعُد كذلك الآن”.
ويُضيف أن إيروموبيل حصلت على “كثير من العروض” من شركات في مجالات صناعة السيارات والطائرات وتكنولوجيا المعلومات للاستثمار وتوقيع اتفاقيات توريد مع الشركة.
والآن يريد العثور على مساهم رئيسي لتمويل الانتقال من مرحلة الأنموذج الأولي إلى مرحلة الإنتاج الكامل.
ويقول إن المساهمين من القطاعين الخاص والعام جاؤوا للاستثمار، وشركات رأس المال المغامر متحمسة، لكنه رفض ذكر الأسماء بسبب اتفاقيات عدم الكشف. وحصلت الشركة على عرض في أوائل عام 2015 لبيع نفسها إلى أحد اللاعبين في الصناعة، لكنها رفضت.
كذلك يرفض الرجلان فكرة البيع شخصية ثرية لا تريد سوى حقوق المفاخرة. يقول كلاين: “بالتأكيد يمكننا أخذ الأموال الغبية. عديد من الناس الأغنياء يريدون الاستثمار، لجعله مشروعا يشبه الحيوان الأليف، أو لعبة. لكنني صارم بشأن هذا الموضوع. أنا أريد أموالا ذكية”.
ويشير المؤسسان المشاركان إلى أن “الأموال الذكية” من المرجح أن تأتي من أحد اللاعبين الراسخين في مجال الصناعة، أو التكنولوجيا. وهما متحمسان لجلب الخبرة في مجال رفع مستوى النماذج الأولية وإدارة مشاريع البحث والتطوير المعقدة.
يقول كلاين: “يجب أن نصبح شركة جديدة، ويجب أن تكون محترفة وتجلب هيكلة لتنظيم التكنولوجيا الجديدة والإنتاج”.
ولهذا أحضرا مسؤولا تنفيذيا سابقا من ماكلارين، شركة صناعة سيارة الفورمولا 1، إلى مجلس إدارة شركتهما ويعملان مع المنظمين البريطانيين والمفوضية الأوروبية للتأكد من أن المنتج يلبي القواعد البرية والجوية.
ويضيف كلاين: “نحن نتخذ الخطوات نفسها التي اتخذتها فورد وبوينج فيما مضى. نحن نحتاج إلى مزيد من الخطوات، والمزيد من الاستثمارات، وإدخال تحسينات. فنحن نبتكر شريحة جديدة”.
يضحك فاكوليك في الوقت الذي يتذكر فيه مسؤولون تنفيذيون في شركات لصناعة السيارات عندما أخبروه أن الأنموذج الأولي، الذي هو الآن في مرحلة تجسّده الثالثة، يبدو جميلاً، إلا أنه لن يكون قادراً على تلبية توقعات كل من السائقين والطيّارين.
الآن بعض هؤلاء يصطفون لإقناع إيروموبيل باستخدام المحركات التي تصنعها شركاتهم. لكن تأمين رأس مال جديد من المصدر المناسب هو مجرد عقبة واحدة.
تماماً بالقدر نفسه من الأهمية ينبغي صناعة الإصدار النهائي ما قبل الإنتاج بصورة صحيحة.
ويؤكد الفريق باستمرار أن المركبة لا تزال أنموذجاً أولياً. في الواقع، هي تفتقر للميزة المصقولة لأي مُنتج تجاري، وهي تتماسك معاً في بعض الأماكن بشريط لاصق قوي فضي موضوع بشكل مناسب.
لكنها لا شيء، مقارنة بالأجيال السابقة التي احتفظ فيها الفريق في المرآب لتذكير الجميع بمدى التقدّم الذي وصل إليه. المركبة، المبنية من هيكل بسيط من الصُلب مُغطى بقماش طويل، بالكاد تبدو جديرة بالسير في الطرقات، ناهيك عن كونها مناسبة لتحلق في السماء.
تملك المركبة، المصنوعة بطريقة خرقاء من قبل كلاين وعمه، محركا صغيرا تم أخذه من دراجة نارية نوع هوندا، وعمود مقود القيادة يستخدم أجزاء تم جمعها من سيارة فيات. يقول فاكوليك، وهو يهز رأسه: “إنه رجل مجنون. لكنه أيضاً عبقري”.
ويعترف كلاين “إنها شيء بدائي جداً، لكنها أكدت فكرتنا. فقط بعد أن تمكّنت من الطيران بهذا الشيء عرفت أن هذا المشروع قابل للتسويق تماماً”.
من تلك اللحظة في عام 2013، اقتنع الرجلان وبدأ فاكوليك بإدارة الشركة بدوام كامل، وعين كلاين فريقا من عشرة أشخاص لأخذ الهيكل من المبنى الخارجي للقلعة إلى حظيرة “المطار”.
هناك، في ورشة عمل مليئة بقطع الغيار، وقطع ألياف الكربون المُهملة، وأدوات، الآلات، جمّع الفريق الأنموذج الأولي الذي يطير اليوم.
وتم شراء المحرك من الخارج، لكن كلاين يعتقد أن أكثر من 90 في المائة من الأجزاء الأخرى هي من مصادر محلية.
عندما لا يستطيعون العثور على مورد مناسب، يختفي عمه ببساطة داخل ورشته الخاصة لبضعة أيام ويقوم ببناء المكوّن من الصفر.
ومن المقرر أن ينمو الفريق إلى نحو 60 شخصا في غضون عام وأن يصل إلى 200 شخص عندما تصل المركبة إلى مرحلة الإنتاج الكامل.
الأنموذج الأولي التالي، الذي من المرجح أن يكون الأخير، سيحتوي مروحة جديدة، ومحركا أكثر قوة، وقمرة قيادة مصممة نتاج أبحاث تلبي متطلبات السوق.
ويستهدف المشروع مدى طيران يبلغ ألف كيلو متر، وطيران بسرعة تبلغ 200 كيلو متر في الساعة، وإجمالي وزن طائرة، بما في ذلك الركاب، يقل من 650 كيلو جراما.
ويخطط الفريق لبناء نحو 250 مركبة طائرة سنوياً يتم تسويقها إلى زبائن مُختارين- إلى حد كبير مثل شركات السيارات القوية؛ فيراري أو ماكلارين.
والمشترون المحتملون هم على اتصال منذ الآن.
وثمنها، الذي لن تكون له علاقة إلى حد كبير بغالبية سوقها المستهدفة، سيكون “نحو بضع مئات الآلاف من اليورو”، بحسب فاكوليك، أو عُشر ثمن طائرة هليكوبتر خاصة أنموذجية.
وتأمل الشركة أن يتبع ذلك الانتقال إلى السوق المتوسطة، في محاولة لاقتفاء خطى “تيسلا”، شركة السيارات الكهربائية التي بدأت بسيارة حصرية وتحاول الآن صناعة مركبة للجماهير.
لكن في حين أن الانتقال إلى وادي السيلكون (حيث بنت شركة تيسلا مقرها) يعتبر أمراً مُغرياً، إلا أن فاكوليك يقول إن سلوفاكيا هي المكان المناسب لتأسيس الشركة.
فهي أكبر منتج للسيارات من حيث حصة الفرد في العالم، وقاعدة تصنيع منخفضة التكاليف، وكما يقول فاكوليك وكلاين، إنها موطن خمس شركات تصنيع طائرات خاصة.
ويضيف فاكوليك: “جميع المزودين الرئيسيين الذين أتعامل معهم يوجدون في حدود دائرة نصف قطرها 200 كيلو متر. لذلك الوجود في وادي السليكون يمنحني إمكانية الوصول إلى الكثير من التكنولوجيا، لكنه سيكون أكثر تكلفة بكثير”.
وهبطت إيروموبيل على المهبط مع بدء مغيب الشمس، وبعدها أمضى المالكان المشاركان فترة للاسترخاء في نادي الطيران.
وحتى في هذا النادي، الذي يرى رواده في كلاين شخصا أسطوريا، هناك من استبعد إمكانية تصنيع الأنموذج الأولي. لكن في اليوم الذي طارت فيه إيروموبيل أول مرة كان الاحتفال صاخبا.
يقول فاكوليك، الذي يتدرب للحصول على رخصة طيران ويرغب بشدة في وضع أول مركبة على خط الإنتاج “إن بعض الأشخاص قد يجدون من الصعب التصوّر أن السيارات الطائرة ستكون واقعا عاما ويوميا.
لكن لننظر إلى الهاتف الخليوي. بعض المحللين في البداية قالوا إن لديه تطبيقات محدودة ولن يصبح أبداً منتجاً في السوق الشاملة”. ويبتسم ويقول: “الوقت المناسب هو الآن”.