فيليب ستيفنز
تحتفل بريطانيا قريباً بالذكرى الـ 800 للتوقيع على ميثاق ماجنا كارتا “العهد الأعظم”. تقول الأسطورة الوطنية إن الصفقة الدستورية التي أُبرِمت بين الملك جون ونبلائه المتمردين كانت هدية إنجلترا التي لا تُقدّر بثمن إلى العالم. سيادة القانون المنصوص عليها في الميثاق وضعت حجر الأساس للديمقراطية. البريطانيون الذين يعرفون بنكران الذات في نواح كثيرة، يشعرون بالحرص على مساهمتهم في الحضارة الحديثة.الذكرى تتميز بضجة كبيرة. لا يتفوق أحد على البريطانيين عندما يتعلق الأمر بالبهاء والروعة. تحدّث باراك أوباما عن الميثاق باعتباره مصدر إلهام للآباء المؤسسين في أمريكا. وتقول الشائعات إن الرئيس الأمريكي سينضم إلى الملكة -ورئيس وزرائها الجديد- للاحتفال في رونيميد.هذه الرؤية للتاريخ، القائمة على أفكار حزب الويجز، تعتبر كل ما حصل منذ ذلك الحين سلسلة من الخطوات الخطية الطبيعية. بغض النظر عن التصدّعات – حرب أهلية، مثلاً، أو إعادة السلام مع إيرلندا، أو اتحاد إنجلترا مع اسكتلندا، أو اكتساب وفقدان إمبراطورية عالمية. بريطانيا هي أم البرلمانات. مهما كانت العثرات الغريبة على طول الطريق، فإن السياسة المعاصرة تُشكّل محاذاة مثالية للتسوية التي تم إقرارها في 15 حزيران (يونيو) 1215.ربما ليس من المستغرب إذن أن حزب المحافظين برئاسة ديفيد كاميرون وحزب العمال برئاسة إد ميليباند يخوضان الانتخابات العامة الحالية كما لو أن شيئاً لم يتغير. يواجه الاتحاد ضغوطاً لم يسبق لها مثيل. والحزبان الكبيران، اللذان يُكافح كل منهما للحصول على دعم ثُلث الناخبين، هما تقليد شاحب لذواتهما السابقة. الولاءات القديمة تتفكك والخطاب السياسي يتوتّر بسبب الشعبوية المعادية للأجانب، التي يعتمدها حزب الاستقلال البريطاني. كاميرون وميليباند يتظاهران بأن الأمور تسير كالمعتاد.حتى عند مقارنتها بالسقف المنخفض لمعايير الانتخابات الحديثة، كانت الحملة شأناً مُحبطاً إلى حد كبير. حزب المحافظين وحزب العمال على حد سواء ينظران إليها على أنها ممارسة في الدوران حول العربات – محاولة لجمع العدد المتناقص من المؤيدين “الأساسيين” بدلاً من الوصول إلى غير الملتزمين. لقد تمت كتابة كل شيء وعرضه لتجنّب التفاعل مع “الأشخاص الحقيقيين”.كاميرون راهن بمستقبله على استراتيجيات الذعر التي روجها مُنظم الاستفتاءات الأسترالي، لينتون كروسبي. وميليباند قام بما هو أكثر قليلاً من مجرد الاستفادة من تصاعد الاستياء الشعبي بسبب سياسة التقشف الاقتصادي. تحت سيطرة الماضي، لم ينتج أيّ منهما نشرة إعلانية للمستقبل. ويبدو أن حزب العمال سيتم سحقه في اسكتلندا من قِبل الحزب الوطني الاسكتلندي الجديد. ورد حزب المحافظين على الحزب الوطني الاسكتلندي كان تأجيج جمرة القومية الإنجليزية.لكن الناخبين أذكى من هذا. تقول استطلاعات الرأي إنهم استنتجوا أن كلا من كاميرون وميليباند فشل في عرض قضية مقنعة لقيادة الأمة. ربما ينبغي للزعيمين تقديم الشكر لهم. حتى مع استعدادهم للمرحلة الأخيرة من الحملة، ينبغي أن يعكسا أن هذه انتخابات قد يكون من مصلحة حزبهما أن يخسرها.بالتالي، كاميرون الذي تخلى منذ بعض الوقت عن أي طموح لتحديث حزب المحافظين، لم يضع حتى الآن سوى أدنى بصمة في التاريخ. إذا عاد بشكل ضعيف إلى داونينج ستريت من أجل فترة ولاية ثانية، قد يكون هذا تماماً للإشراف على استفتاء أوروبي يشهد في آن واحد قيام بريطانيا بطرد نفسها من قارتها وتحطيم حزب المحافظين أثناء ذلك. ميليباند خاض حملة قوية. فقد ارتفعت شعبيته بسبب ذمّه من قِبل كثير من وسائل الإعلام التي تميل إلى حزب المحافظين. مع ذلك، قدَّم نفسه على أنه سياسي من الشعبوية اليسارية وليس رئيساً للوزراء في الانتظار. ليس كافياً إدانة الظلم الواضح في التفاوت الاجتماعي، أو الانشقاقات التي أحدثتها الرأسمالية الاحتكارية.وحكومة من حزب العمال تعتمد على دعم صريح من حزب الديمقراطيين الأحرار برئاسة نيك كليج، وموافقة ضمنية من الحزب الوطني الاسكتلندي، ستتعثر من أول يوم. لا بد أن بريطانيا في مرحلة ما ستعرف أن سياسات الحزبين قد انتهت. كذلك سيُضطر السياسيون الإنجليز إلى الاعتراف بأنه لا يمكنهم تأييد الاتحاد مع اسكتلندا وفي الوقت نفسه إنكار شرعية القوميين الاسكتلنديين الذين تم انتخابهم للذهاب إلى وستمنستر.مثل هذه التعديلات تستغرق وقتاً. إذا كانت النتيجة في السابع من أيار (مايو) غير حاسمة كما تُشير استطلاعات الرأي، ربما تتبعها انتخابات أخرى في وقت قريب جداً. لقد كان كليج صريحاً في تفضيله التوصل إلى اتفاق ثان مع كاميرون، لكن عديدا من أعضاء البرلمان التابعين لحزبه قد يفضلون ميليباند. كذلك يعتبر كثيرون أن من غير العادل أن يعاقَب حزب الديمقراطيين الأحرار لأنه قبِل بمشاركة كاميرون في الحكم. ففي النهاية، قام كليج بتهدئة أسوأ اندفاعات اليمين في حزب المحافظين والتخفيف من هاجس وزارة المالية فيما يتعلق بالعجز في المالية العامة. لكن أي لاعب ثالث في السياسة يجب أن يقوم بما هو أكثر من مجرد الاعتماد على غرائز الحزبين الكبيرين. سيكون على الديمقراطيين الأحرار العثور على وجهة نظر أكثر وضوحاً بكثير لهويتهم الخاصة.وعلى الرغم من أنها ممزقة، إلا أن بريطانيا ليست على وشك السقوط في الهاوية. الاقتصاد لديه مشكلاته – المشكلة الحقيقية هي الإنتاج الضعيف وليس العجز – لكن أيضاً نقاط قوته. إنها دولة غنية تملك غرائز لائقة مع رؤية منفتحة على العالم إلى حد كبير. ومعظم شركاتها تعتبر مبتكِرة، ومبدِعة، ومسؤولة اجتماعياً. ولندن موضع حسد كل مدينة عالمية طموحة.تحتاج بريطانيا إلى زعماء على استعداد للخروج من النزعة الاستثنائية – الخروج من الخنادق وتصوّر نوع مختلف من التسوية السياسية. سياسة “الفائز يأخذ كل شيء” نجحت عندما كانت ناجحة، لكن وقتها انتهى. القومية الاسكتلندية ستهدد الاتحاد طالما يتمسك السياسيون في وستمنستر بالمركزية الخانقة للنظام السياسي القديم.أما بالنسبة للتاريخ، فقد آن الأوان بالتأكيد لتعترف بريطانيا بدور عدوتها القديمة فرنسا. تقريباً بمجرد أن تم إقرار ميثاق ماجنا كارتا، تراجع الملك في كلامه. لم يُجبر على الانصياع إلا بمساعدة الأمير لويس، ابن ملك فرنسا، الذي سار بجيشه إلى لندن بناءً على طلب النبلاء الإنجليز. والديمقراطية التي عليك همسها بهدوء أكثر من أي وقت مضى، كانت مشروعا فرنسيا ـ إنجليزيا.

