عطيل الجفال
لم يكن اليوم الاخير قبيل انعقاد اجتماع منتجع كامب ديفيد بين الرئيس الاميركي باراك اوباما وقيادات دول مجلس التعاون الخليجي سوى لحظة مواجهة حقيقية للأزمة الصامتة بين الرياض وواشنطن على خلفية الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة الاميركية وايران، فضلا عن شعور المرارة الذي اجتاح المملكة بتخلي واشنطن عن حلفائها الخليجيين وفق حسابات المصالح الاقليمية التي تربطها بإيران الآن. وقد ترجم هذا الخلاف بتخلف ثلاثة من قادة دول الخليج اضافة الى العاهل السعودي عن حضور الاجتماع واقتصار الحضور عالي المستوى على امير الكويت الشيخ صباح الاحمد وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد.
وبالاضافة للخلاف الصامت بين العاصمتين، فان دافعا آخر أدى الى عدم حضور العاهل السعودي، وهو محاولة الزج بابنه الشاب محمد بن سلمان داخل أروقة صنع القرار الاميركي من خلال التماس الذي يخلقه حضوره في أجواء اجتماع كامب ديفيد ممثلا عن المملكة الى جانب ولي العهد السعودي محمد بن نايف، حيث كانت واشنطن قد سجلت وقوفها الى جانب بندر بن سلطان في الخلافات التي نشبت بينه وبين محمد بن سلمان والتي أطاحت بالاول من منصبه نائبا لوزير الدفاع اثناء تولي الثاني مهام ادارة مكتب والده سلمان بن عبدالعزيز الذي كان وليا للعهد آنذاك، ضمن زوبعة الصراعات التي شهدتها المملكة اثناء مرض العاهل السابق عبدالله بن عبدالعزيز، وكان الموقف الاميركي متعلقا بصفقات التسليح الضخمة التي تعقدها المملكة مع كبريات شركات تصنيع الاسلحة الاميركية برعاية بندر ومقابل عمولات تصل الى مئات الملايين من الدولارات.
ومحمد بن سلمان هو الابن البكر للعاهل السعودي من زوجته الثالثة، وعلى الرغم من انه يحتل التسلسل الثالث بين أخوته غير الاشقاء، إذ يكبره سنا سلطان بن سلمان رائد الفضاء ومسؤول السياحة وعبدالعزيز بن سلمان الذي كان يشغل نائب وزير النفط، إلا انه يعد الابن المقرب للملك سلمان الذي عينه وزيرا للدفاع ووليا لولي العهد.
وإذ تمكن محمد بن سلمان من إزاحة بندر بن سلطان عن طريقه المؤدي الى الادارة الاميركية وتمكن من انتزاع اعجاب الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي قال عنه على هامش اجتماعات كامب ديفيد “هذه هي المرة الأولى التي يتاح لنا العمل مباشرة مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأعتقد أنه أثار إعجابنا بمعارفه وذكائه الذي يتجاوز عمره”، إلا ان ثمة خلافا جوهريا بقي دون حل بين العاصمتين، وهذا الخلاف سربته مجلة “فورن بوليسي” ذات الصلة بمراكز صنع القرار فى الولايات المتحدة الاميركية يتمثل في طلب الرياض ودول خليجية اخرى توقيع معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة لمواجهة أي خطر إيراني محتمل، خصوصا وان العنوان العريض للقمة هو تهدئة الهواجس الخليجية من توقيع الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، لكن واشنطن رفضت الطلب، مكتفية في المرحلة الحالية بعروض تسليح جديدة ستدر على شركات السلاح الاميركية مليارات الدولارات، فيما ستواصل استنزاف ميزانيات دول الخليج التي تحتل رأس قائمة الدول الاكثر انفاقا على التسلح بعد اميركا وبريطانيا والصين، إذ انفقت السعودية وحدها ما يقارب الخمسمائة بليون دولار على التسلح خلال السنوات الماضية.لم تنفِ واشنطن بشكل نهائي الخطر الايراني المحتمل على دول الخليج، ولم تؤكده أيضا، فقد راهنت على الدبلوماسية الغامضة في تسويق الخوف الى عواصم الخليج لدفعها نحو المزيد من الانفاق على شراء الاسلحة الاميركية، في حين ان الرياض التي تعاني من الاختناق الامني نتيجة وجود تنظيم “داعش” على حدودها مع العراق، ووجود حركة “انصار الله” على حدودها مع اليمن، إضافة الى تنامي الحركات المتطرفة داخل أراضيها، تعي أن شراء السلاح وحده لا يحافظ على امنها، وإذ يذكر خبراؤها الامنيون بعجز قوات درع الجزيرة عن وقف الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، فانهم يبدون قلقا شديدا من ممانعة واشنطن توقيع اتفاقية دفاع مشترك تلزم الولايات المتحدة بالدفاع عنها في حال تعرضها لأية مخاطر خارجية. لكن حسابات الحقل الخليجي الملغم بالنفط وصناعة الارهاب لا تنطبق بالضرورة مع البيدر الاميركي المتخم بدوره بأسلحة قديمة خارجة عن الخدمة، ولا مجال لتسويقها إلا لدول الخليج وبعض المناطق الساخنة في العالم الثالث. 

التعليقات معطلة