جمال جاسم أمين
تردد مثل هذا العنوان كثيرا بوصفه شعارا للعديد من الفعاليات الثقافية والمدنية التي تبنتها منظمات ومؤسسات كرست جهدها لهذا الغرض، ولعل العنف المستشري في مفاصل ووجوه عدة هو المسوغ الاساس لرفع هذا الشعار او تبنيه موضوعا ودعوة، وبالفعل فان توصيف (الرسالة) يجد له مصداقا في هذا المنحى، الرسالة بمعنى الهدف السامي الذي نسعى له بدوافع انسانية واخلاقية محضة.
 ما يلاحظ بهذا الصدد ان موضوعة (العنف المدرسي) او ما يمارس ضد التلاميذ في المدارس كانت الوجه الابرز لهذه الظاهرة اعلاميا خاصة وان بعض القنوات التي اعتمدت التهويل منهجا سارعت في اكثر من مناسبة الى تضخيم بعض التفاصيل حد هلع اولياء الامور مما يجري في المدارس، ولعل مواقع التواصل الاجتماعي هي الاخرى اسهمت في مثل هذا الاعلام او زودته بالحوادث الواقعية منها والمفبركة على حد سواء.
 بالطبع لا احد يؤيد مثل هذا العنف او يبرره اطلاقا لأنه يتنافى مع مبادئ التعليم السليمة، العنف يشوه شخصية التلميذ التي يراد لها أن تكون سوية كما انه يشوه رسالة العلم والتعليم بالدرجة نفسها، وفي الوقت نفسه يشوه الاعلام التهويلي رسالته ايضا من خلال فبركة الضجيج حول حوادث منعزلة ومحدودة لتصويرها على انها واقع التعليم كله او صورته المشوهة القائمة على الارض بينما لا يبرز هذا الاعلام نفسه اية صورة مشرقة يلتقطها هنا او هناك لمعلمين متفانين في تربية وتعليم تلاميذهم، بمعنى ان هنالك كيلا بمكيالين وكيدية لا تليق برسالة الاعلام الذي نريد له ان يكون وطنيا وبناءً. 
ما يهمنا هو كشف جذور العنف بمجمله لنقول بالتحديد: ان العنف اينما وجد فهو بجذور اجتماعية تتمظهر بمظاهر شتى، وما نسمعه عن حالات العنف المدرسي هي ذات مساس بهذا المنحى. هناك عنف من بعض الآباء ضد الابناء كما يوجد عنف ضد المرأة، وعنف آخر بالمستوى نفسه ضد الاطفال خاصة فيما يخص عمالتهم وتشغيلهم في اعمال شاقة وهم دون سن العمل، الامر الذي يحدونا للقول: ان الحاضن الاجتماعي لمظاهر العنف واحد لكنه ينعكس انعكسات شتى ما يتطلب دراسته دراسة جذرية بعيدا عن التجزئة والانتقائية التي تفتت الظاهرة او تستثمرها  استثمارات وقتية وربما بدوافع سياسية كالذي يحدث في بعض قنوات الاعلام وكما اسلفنا.
كل هذا يدعونا الى تدقيق النظر في العنف السياسي الدائر باعتبار أن هذا النوع او المظهر هو الاخطر حاليا والاحرج باعتبار النتائج التي يفرزها على الارض. عنف الافكار والعقائد التي تتصارع لا بالحجة والبرهان بل بقوة السلاح من اجل فرض هيمنتها على اكبر قدر من غنائم السلطة والتسلط، هذا النوع من العنف ضحيته البلاد والعباد ولا غنائم له سوى الموت المجاني الذي تشيعه مثل هذه الجماعات المستبدة.
لمكافحة مثل هذا الواقع العنفي لا تكفي الردود الآنية الرادعة بل لا بد من النظر مليا الى جذوره الاجتماعية القارة والحاضنة لأنساقه بدءا بالنشأة والتربية، ولعل مناهج التعلم والتدريس على صلة بهذا المنحى، الامر الذي يظهر حاجتنا فعلا الى مناهج تسامح 
نتمرن من خلالها على قبول الآخر المختلف والتكامل معه بدلا من نبذه وإسقاطه.
 اللاعنف ليس شعرا نرفعه بقصد الترويج فقط بل هو رسالة ينبغي ان نتبناها عبر برامج عملية متنوعة تتعاضد مؤسسات التربية والثقافة والمجتمع على تأثيث مضمونها وإلا فإن سدنة العنف الحاصل لا تردعهم الشعارات وحدها، كما ان اجيالنا القادمة لن تتعلم التسامح من هكذا دعوات عالقة بلا وسائط ووسائل اجرائية تنتقل فيها المقاصد والاهداف من التنظير الى الواقع العملي.
ثقافة اللاعنف تحتاج بدءا الى ترسيخ قيم الانسان والانسانية باعتبارها الرصيد الوجداني الذي ينبغي ان نحرص على عدم هدره لأنه في حال تعرضه للتصدع فان الحياة كلها تصبح مهددة ولا غالب في فضاء التهديد هذا.
 يبدأ اللاعنف عندما ندرك جميعا لا جدوى العنف، عندما ندرك عدميته المقيتة وعندما نتيقن ان المحبة هي العطاء الاجمل وهي الحاضن الحقيقي للانتاج، اما الكراهية فهي العقم واللاجدوى بعينها. هذه الثقافة هي قاعدة رسالتنا نحو اللاعنف، رسالة السلم والسلام التي بدونها يخسر الجميع على حد سواء.
 العراق اليوم بحاجة لمثل هذا الكشف الهادئ بعيدا عن صخب التهويل الاعلامي الذي يضبب المشكلات ويزيدها تعقيدا.

التعليقات معطلة