ليونيد بيرشيدسكي
ما الذي يدفع الناخبين في بلد سجّل من النجاح الاقتصادي ما جعل معدل الدخل الفردي لمواطنيه يقترب بسرعة مما هو في البلدان الأغنى المجاورة، إلى إسقاط حكومتهم؟ ففي بولندا، حيث تمكن مرشح المعارضة ذو الشعبية العريضة من إلحاق الهزيمة بالرئيس الحالي في الانتخابات الرئاسية، يبدو أن الإجابة توحي بأن معدل النمو وحده لا يمثل المؤشر الأكثر إثارة لاهتمام الشعب هناك.
ووفقاً للأسس المتعارف عليها، فإن لبولندا قصة مع النجاح الأوروبي الاستثنائي خلال السنوات الثماني الماضية لإدارة «حزب المنبر المدني»، وهو حزب الرئيس المنتهية ولايته «برونيسلاف كوماروفسكي». وقد سجلت بولندا نمواً فاق في سرعته معظم دول الاتحاد الأوروبي قبل الأزمة المالية العالمية لعام 2008. وتمكنت بأسلوبها الفريد من تجنّب الانكماش الذي أرخى بظلاله على العالم بعد ذلك، وتبنّت أسلوباً أشبه بذلك الذي تتبعه الأسواق الصاعدة بدلاً من الدولة الأوروبية القوية. وفي الفترة الواقعة بين عامي 2008 و2013، ارتفع ناتجها المحلي الإجمالي للفرد الواحد بأسرع مما هو في البرازيل.
ووفقاً لمقياس الناتج المحلي الإجمالي والمساواة بين المواطنين في القدرة الشرائية، حققت بولندا 60 في المئة من المعدل العام السائد في الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً من 32 في المئة قبل 25 عاماً تحت حكم «كوماروفسكي». وكانت الفجوة التي تفصل بينها وبين الاتحاد الأوروبي تتقلص بسرعة غير معهودة من قبل. ومع ذلك كله، خسر الرئيس انتخابات الإعادة أمام «أندرزيتش دودا» من «حزب القانون والعدالة» يوم الأحد الماضي.
ولو كان المرء ميّالاً للتعامل مع السياسة كما يتعامل مع الألعاب الرياضية، فسينسب هذا الخلل في النتائج لمهارات «دودا» الرياضية الخارقة. وقد بدد «كوماروفسكي» مواهبه القيادية بسلوكياته السلبية والاكتفاء بالرضى عن النفس وما حققه من قبل. وقد استفاق إلى قصوره هذا بعد هزيمته في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي نظمت قبل أسبوعين، إلا أن هذه الاستفاقة جاءت متأخرة. وفي مقابل ذلك، قاد «دودا» حملة انتخابية عدوانية، كان يكثر خلالها من السفر والترحال ويلعب على وتر المشاعر الوطنية. وعلى سبيل المثال، وعد بفرض ضرائب على البنوك الأجنبية والأسواق الكبرى للبيع بالتجزئة، وكان أصلب عوداً من «كوماروفسكي» في التعامل مع روسيا التي ساعدته على كسب الجولة الانتخابية شرقي بولندا على الحدود المتاخمة لكل من أوكرانيا وبيلاروسيا.ويعزى السبب الرئيسي لهذا الفوز إلى استغلال التفاوت في المستوى المعاشي. وقد وصف الصحفي السياسي البولندي «ياسيك زاكوفسكي» هذا التفاوت في عمود نشره على إحدى صفحات جريدة «جازيتا فيبورتشا» اليومية حيث قال: «على أن المساواة المفقودة في بولندا ليست من النوع السائد في الأنظمة الشيوعية. فأنا أتحدث هنا عن تكافؤ الفرص في الحصول على الحقوق والاضطلاع بالواجبات الأساسية. ويشعر السياسيون البولنديون بالخوف من تكافؤ الفرص لأنهم يعتقدون أنه ذو تأثير سلبي على الفعالية. ولهذا السبب، يهاجر البولنديون إلى إيرلندا وألمانيا والمملكة المتحدة ليس بسبب توفر فرص أكبر للعمل هناك، بل لأن الحد الأدنى من المساواة يسمح للناس بالعيش الكريم هناك حتى لو كانوا لا يمثلون جزءاً من الطبقة المحظوظة».
ويعد التفاوت الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من حياة البولنديين. ولبولندا قيمة تقديرية لـ«معامل جيني» تفوق 30 في المئة وبما يعني أن تفاوت المستوى المعيشي السائد بين مواطنيها أعلى مما هو في دول مثل جمهورية التشيك وسلوفاكيا اللتين يبلغ «معامل جيني» فيهما 25 في المئة. كما أن مستوى التفاوت المعيشي في بولندا يقترب من معدله في الاتحاد الأوروبي، وأقل مما هو في إيطاليا.
وخلال الحملة الانتخابية، تحدث «دودا» عن «إعادة بناء المجتمع» بما يوحي بأنه عازم على تحقيق تحولات اجتماعية كافية للرفع من مستوى تصنيف بولندا. كما أن الفائز في الانتخابات أطلق جملة من التعهدات الأكثر انطواء على الطموح، حيث وعد أيضاً بالعمل على زيادة مداخيل العائلات وتخفيض سنّ الإحالة على التقاعد والذي سبق لـ«حزب المنبر المدني» أن وعد برفعه إلى 67 عاماً بعد أن كان 65 عاماً. ووصف «زاكوفسكي» هذا الوعد بأنه يشكل انتفاضة بالنسبة للطبقة الأكثر تعرضاً للخطر، والتي تتمثل بملايين العمال البولنديين الذين يعملون يوماً بيوم ويناضلون من أجل مستقبل يسوده الاستقرار.
ومن الواضح أن «دودا» لا يستطيع الوفاء بكل تلك الوعود لأن ذلك يعتمد على إنجازات البرلمان المنتخب من ناحية، وعلى أداء الحكومة التي ينتخبها البرلمان من ناحية أخرى.