ممدوح فرّاج النابي
بعد ثلاث روايات سابقة تأتي الرّواية الجديدة «بخور عدني»، الصّادرة عن دار الساقي ببيروت، للشاعر والكاتب اليمنيّ علي المقري، متضمنة في بعض خيوطها السّردية، هاجسه الذي يتردّد بتنويعات مختلفة في رواياته السّابقة، هاجس اليمن الحامل والحاوي للتنوّع الثقافيّ والتعدّد الدينيّ والإثنيّ، هنا يستعيد هذه الصّورة التي تشي بالانفتاح والتعدّدية والسّماحة معا، الصورة التي شهدها اليمن في فترات من عمره القديم، وليست صورة اليمن المشوّه الذي تنعق فيه غربان الفساد وتمزقه التناحرات الحزبية والطائفية.
في روايته “بخور عدني” يعود الشاعر والكاتب اليمني علي المقري إلى الماضي ليفتش عن هذه الصورة الغائبة التي صارت أشبه بفردوس مفقود الآن، لذا تطرح الرّواية إمكانية أن تحلّ الهوية السّردية محلّ الهوية الوجودية، التي تحدّث عنها ريكور من قبل، في ظلّ “أن الوطن غير محقّق ولو في الحلم” كما أجاب العارف.
ويتخذ الكاتب من مدينة عدن إطارا مكانيا لحكايته، وفترة ما بعد الحرب العالمية إلى نهاية الستينات إطارا زمانيا، وتحضر كمكان جغرافي/ ميناء تجاري، عندما كانت مطمعا للمستعمرين ومن ثمّ صارت ملتقى لجنسيات متعدّدة، جاؤوا إليها للعمل، أو هربا من اضطهاد دينيّ (جدّ شمعون مثلا)، أو كملاذ للابتعاد عن الحرب (ميشيل)، وأيضا حاضرة كهويّة صبغت بها جميع قاطنيها من مختلف الجنسيات، من الصّومال ومن لندن ومن الهند ومن اليهود ومن فرنسا ومن تركيا ومن غيرها من البلدان.يعيشون في داخلها كنسيج واحد، ويمارسون فيها عقائدهم وطقوسهم المختلفة، أي أنها أضحت مدينة «كوسموبوليتانية»، تذوب فيها الجنسيات، ويصير للجميع انتماء مشترك، شعارهم «عدن هي وطني» كما قال شمعون اليهودي وفرانسيسكو الإيطالي، وأيضا حاضرة كشاهد على تراث ثقافيّ ودينيّ متنوّعين.
التغيرات السيئة
يحوي النص ثراء معرفيّا بالعادات والتقاليد والأطعمة والرقصات الشهيرة كالرّكة والزار، والأغنيات، ويوحي أوّل ما يوحي برحابة فكرية وسماحة دينيّة، غابتا عندما هبّت رياح التغيير التي جعلت أسئلة الهوية تلوح مرّة ثانية في عقل ميشيل بعدما أسقط هويته منذ أعلن اسمه «أيّ شيء» وعدّها وطنا بديلا، فيتساءل عن الفرق بين العدني وعدني؟! وهو ما يستحضر حيرته التي لخّصها في سؤاله لنفسه «لماذا لم يشعر بزهو الاستقلال الذي تحقّق بعد جلاء المستعمر؟!».
والعجيب أنّ إجابات هذه الأسئلة وغيرها كانت حاضرة في الرّسالة الصوتية التي أرسلتها شمعة المطربة مع الأغنية، وهي اليهودية التي جمّعت كافة الأجناس أثناء غنائها ليس فقط بزواجها من هويات مختلفة، أو غنائها بلغات مختلفة، بل بولائها للمكان الذي عاشت فيه، وحاضرة بما راج عن أساطيرها المشكّلة للمكان كما ورد في حكاية الشيخ العيدروس. وحاضرة بتاريخها مذ كانت مستعمرة للهند البريطانية، وبثوراتها حتى الاستقلال، وبالصراعات الحزبية، وبانخراطها في الأحداث الكبرى التي حلّت بالمنطقة.
الراوي ليس خارجيا في سرده بل هو متماه مع المكان وأناسه، وهو ما يخرجه من صفة السارد الرحالة الذي كان يصور مشاهداته
رغم الاستقلالية التي يدعو إليها البعض والتي حملتها شعارات «عدن للعدنيين»، وغيرها إلا أن عدن لم تنفصل عن مجريات الأمور حولها، إذ تشابكت المدينة مع مصائر الشعوب، فتعاطف سكّانها مع فلسطين ضدّ قرار الأمم المتحدة بتقسيمها، فخرجت المظاهرات التي تؤكّد عروبتها رافعة شعار «القدس عربية»، وتفاعلت مع الصّراع العربيّ ضدّ الكيان الصهيوني، وما أحدثته نتائج الحرب العالميّة.
وصولا إلى عدن الإقصاء والطرد بعدما سيطرت الجماعات الدينيّة المتطرفة والتكفيرية على مقاليد الأمور، والتي بدأت بالخطيب الجوّال الشيخ عبدالجبار وتكفيره لما أسماه “الفحش” بسبب الاختلاط بين الرّجال والنّساء، إلى تكفير مستعمل البخور لما تحدثه رائحته من تهييح للرجال. وهو الأمر الذي تبلور في صيغة أشدّ تزمتا تمثّلت في التهديدات للغرباء وطردهم من البلاد بحجّة أنهم غير مرغوب فيهم، انتهاء بالقتل والحرق كما حدث مع العارف وقبرة، ثم ماما التي قتلت في تفجير للكازينو، وسعيد الذي شوهت جثته، في تأكيد إلى أن التغيّرات السّيئة طرأت، وحلّ الإقصاء ونبذ الآخر محل التعايش.
أربع نفحات
يقسّم الكاتب نصه إلى أربع نفحات الأولى بعنوان «بندر عدن»، والثانية بعنوان «دكان اليهودي» والثالثة بعنوان «حلم الملكة» والرابعة بعنوان «كريتر كريتر»، أطولهم النفحة الأولى في عدد المقاطع السّردية التي تتميّز بالقصر، والعناوين الفرعيّة الاستعارية.كما يتوازى خطان سرديان هما، خط رحلة فرانسوا إلى عدن وتخفّيه تحت اسم ميشيل ورحلته في دروب المدينة، والخيط الثاني، تمتد جذوره إلى فرنسا، وهو ما يأتي كسرد استعادي لزمن ماض عن علاقة الأصدقاء الثلاثة (فرانسوا وميشيل وفرانكو) ببعضهم البعض وكذلك أسرهم، وعلاقة كل منهم بشانتال التي وصلت إلى حدّ التنافس عليها في ما بينهم، فتحضر في صيغة الرّسائل المتبادلة، حتى يُكتشف أن ثمة رابعا مجهولا كان معجبا بها.
وأيضا ثمة راويان، الـ”أنا” وهو الذي يسيطر على معظم أجزاء النص، والغائب “هو” اللصيق بميشيل يرصده من زاوية قريبة، ويتجوّل معه متنقلا من حافة صومالي بورا، فمقهى البندر، إلى بيت العارف، ثم الكازينو، إلخ…
المكان الملجأ أبرز فاعليته على الشخصيات
رويدا رويدا يتماهى الخيطان والراويان، ليتصدر الـ”أنا” السّرد عن عدن وأجواء حفلات شعلة وهاي هتلر، وعن دكان اليهودي شمعون مخزن قصص الحب، وماما وعلاقاتها بالناس.
لكن ثمة تنويعات داخلية في الضمير يميزها الكاتب ببنط ثقيل، يبدو فيها كخطاب الـ”أنت”، لكن في حقيقة الأمر أن الكاتب غيّر من الوظائف السّردية لهذا الضمير الذي تجعل مسافة فاصلة بينه وبين ما يرويه عنه، إلى ضمير يستعير وظائف الـ”أنا” أثناء المناجاة لمحاكمة الذّات، ومن ثمّ لا يبدو الراوي خارجيا وهو يسرد بل متماهيّا مع المكان وأناسه، وهو ما يخرجه من صفة السّارد الرّحالة الذي كان يصوّر مشاهداته، واضعا مسافة بينه وبين ما يرصد، إلى سارد أصيل ينتمي إلى المكان، ويتماهى معه بقدر استعادة وجوده/ هويته التي تخلّص منها بمحو ذاكرته وبتواجده مع الآخرين، كأنه يتمثّل لمقولة بول ريكور «إن الوجود الأصيل هو الوجود مع الآخرين وبهم ومن خلالهم».
يشكّل الحلم بنية للنص، منه يبدأ النص وإليه ينتهي، فوجود ميشيل يتحقّق قبلا بالحلم كما رأته ماما قبل قدومه بست ليال “يركض وسط طلقات من الرصاص”، إلى الحلم الأكبر بقدوم الملكة ومرورا بحلم الانفصال والاستقلال كما سعى إليه دعاة عدن للعدنيين، لكن لا تلبث أن تتبعثر هذه الأحلام جميعا ما أن سيطرت روح التعصّب والتشدّد، فلا تأتي الملكة رغم الدعوات الموجّهة إليها، وتتحوّل أحلام الانفصال إلى صراعات أيديولوجية تنشب بين الجميع لتنتهي بالاغتيالات والتخوين، حتى حلم الوطن الكذبة، أو وهم الوطن، كما ظن ميشيل وبحث عنه في صورة وطن بديل تعثّر هو الآخر.
أبرز المكان الملجأ أو الملاذ بتعبير باشلار، فاعليته على الشخصيات، فانصهرت في معيّته وبمزيج من بخوره، وامّحت الحدود الجغرافية وذابت الفوارق الدينيّة، وهو ما جعله مدينة حاضنة للتعايش، وعندما ضاق الوطن ضاق بالجميع.
السّرد الغنائي الذي سيطر أشبه برثاء لهذه المدينة التي كانت ذات يوم مدنيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة ليس في تعايش سكّانها فحسب، وإنما في دعوات تحرّر المرأة على صفحات صحفها، والسعي إلى الوصول بالمدينة إلى ركب مدن الدول المتطوّرة.