دانييل دومبي وديفيد جاردنر
لقد عمل على قلب السياسة التركية وأذلَّ رئيس بلاده في صناديق الاقتراع، لكن صلاح الدين ديمرتاش يقول “لأنه واحد من عرق الأكراد، فإن الاحتمالات مكدسة ضده”.
قال لـ “فاينانشيال تايمز” العام الماضي “بعد إنهائي دراستي في كلية القانون، أردت أن يتم تعييني قاضيا أو مدعيا عاما. لكن رئيس نقابة المحامين المحلية قال “إنه لا حاجة إلى تقديم طلب: شخص لا ينكر هويته الكردية لا توجد أمامه أي فرصة”.
في عمر 22 عاما، عندما كان قد أمضى شقيقه الأكبر، نور الدين، سنتين من حكم بالسجن لمدة 12 عاما بسبب النشاط الكردي، حاول ديمرتاش الانضمام إلى حزب العمال الكردستاني، المحظور دوليا كمنظمة إرهابية. لكنه لم يصل أبدا إلى مواقع المجموعات المسلحة في الجبال.
بدلا من ذلك، أصبح ديمرتاش محاميا يدافع عن حقوق الإنسان. في عطلة نهاية الأسبوع قبل الماضي، أعاد تشكيل المشهد السياسي في تركيا عندما حصل حزب الشعوب الديمقراطي اليساري على 13 في المائة من الأصوات وحرم حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية من الأغلبية البرلمانية لأول مرة خلال عقد من الزمن.
كان الخاسر الأكبر هو الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي سعى إلى الحصول على غالبية كبيرة لتعزيز سلطاته الخاصة، رغم أنه لم يكن من المرشحين.
ديمرتاش (42 عاما) الذي يتحدث بهدوء، والمحاط بعائلة مرموقة، يظهر بديهة حاضرة. بعد أن صرخ أردوغان في وجهه “من تظن نفسك؟”، لجــــأ إلى “تويتر” ليقترح عقد اجتماع تعارف مع الرئيس.
على مر السنين، بنى أردوغان رابطة عاطفية مع ملايين الأتراك الذين مثله، شعروا بأنهم مستبعدين بسبب النظام العلماني القديم في البلاد. ويندرج ديمرتاش أيضا مع هؤلاء المستضعفين. وبوصفه عضوا في الجماعة العرقية، زازا، لم يتعلم لغة أجداده حتى بلغ 17 من العمر، بسبب ـ حسبما يقول ـ الضغط من أجل الاندماج في المجتمع “لقد بذل والداي جهدا مميزا لكيلا نتعلم اللغة الكردية. لقد قاما بإخفاء هويتي عني”.
ولفترة من الوقت، كانت تلك الهوية محور سياساته. في مقابلة مع “فاينانشيال تايمز” في عام 2012، عندما كان الصراع مع حزب العمال الكردستاني في أسوأ حالاته، أكد ديمرتاش التقدم الذي أحرزته الجماعة غير الشرعية، مدعيا أنها سيطرت على الإقليم لأشهر وكانت تجند مقاتلين بأسرع وتيرة منذ التسعينيات.
وحذر قائلا “في كل يوم يزداد عدد الأكراد الذين يريدون دولة مستقلة”، متوقعا بشكل دقيق أن الحكومة قد تكون مضطرة إلى اتخاذ موقف أكثر توافقية.
لكنه اليوم يقدم شخصية أكثر طمأنة، إذ أصدر رسالة موجهة إلى البلد بأكمله. ففي كلمة ألقاها في مكاتب الحزب في إسطنبول الشهر الماضي أعطى انطباعا بالثقة والهدوء، على النقيض من النشطاء الغاضبين الذين يتجاذبون حوله، وكذلك على النقيض من أردوغان الغضوب. قال “تعتبر هذه الحركة الكردية جزءا من حزب الشعوب الديمقراطي اليساري، وليس العكس”. متأثرا بالتنوع الذي شهدته الاحتجاجات الحاشدة منذ عامين، دفع ديمرتاش الحزب إلى الساحة الوطنية كتحالف قوس قزح، مجتذبا الليبراليين، والأتراك العلمانيين المعارضين لحزب العدالة والتنمية، والنشطاء اليساريين، والنساء – 32 من أعضاء البرلمان من الحزب من الإناث. وكانت حملته شخصية بقدر ما كانت أيديولوجية، وظهر على التلفاز يطبخ مع أسرته أو مشاركا بالعود في الأغاني الشعبية التركية.
وكان الجانب الأكثر دفئا للانتصار الانتخابي قد صيغ جزئيا بالدم. فعندما حاصر تنظيم داعش كوباني الخريف الماضي، وهي بلدة كردية سورية قريبة من الحدود التركية، كان الجيش التركي يتفرج. وكانت مقاومة كوباني المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني، التي افترى عليها أردوغان بأنها “مثل داعش”، هي التي أنقذت البلدة. وارتفعت أسهم القضية الكردية، وخسر أردوغان الدعم بين الأكراد المتدينين المؤيدين له حتى ذلك الحين، وكان هذا العامل الرئيسي في نجاح حزب الشعوب اليساري يوم الأحد من الأسبوع الماضي.
ويبدو أن جهود أبواق الدعاية في حزب العدالة والتنمية الرامية إلى تشويه سمعة حزب الشعوب الديمقراطي ووصف كوادره بالإرهابيين فشلت الآن. قام اليسار المتطرف أيضا بسحب الدعم من العلمانيين العازمين على إحباط جهود أردوغان وتحويلها إلى أداة لتكريس حكمه للبلاد.
لكنه إذا كان يريد إحراز أي تقدم للحزب، فسيحتاج ديمرتاش إلى بسط السلطة المدنية في معسكر الأكراد على المتمردين من حزب العمال الكردستاني. كان الحزب من بنات أفكار عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة قبالة إسطنبول، الذي أراد ترسيخ القضية الكردية من خلال حركة يسارية واسعة النطاق. وينبغي لديمرتاش إثبات أنها أكثر من مجرد أداة للزعيم المتشدد.
بالدرجة نفسها من الصعوبة، يحتاج إلى إحداث تغيير حقيقي للأكراد الذين يريدون مساواة ثقافية ومساواة في المواطنة وسلطات حكم ذاتي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مؤهلات حزب الشعوب الديمقراطي اليساري بوصفه حركة للتغيير على الصعيد الوطني.
ويتعهد ديمرتاش بأن يعمل الحزب على وضع حد للشكوك العالقة وكسب الأصوات التي حصل عليها العلمانيون الحريصون على وقف أردوغان. وبالنسبة للوقت الحاضر، استطاع أن يبرز ويلمع ضمن المزاج الوطني، مبديا نغمة باعثة على التفاؤل في مسيرات ما قبل الانتخابات، حين كان يُذَكِّر مستمعيه قائلا “سنظل إخوانا في اليوم التالي للتصويت”.
مضى بعض الوقت منذ أن كسر سياسي تركي قالب السياسة في بلده بخطابات مثيرة، ولكن توفيقية. آخر من فعل ذلك كان بالضبط هو رجب طيب أردوغان.