علي حسن الفواز
إذا كنّا نعاني منذ عقود من أزمة الحاكمية السياسية بوصفها المسؤولة عن الخراب الوطني، فإن أزمة الحاكمية الاقتصادية لا تقل شأنا في إنتاج مظاهر أكثر رعبا للفقر والتخلف وغياب التنميات البشرية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، ورغم تعالق الأزمتين بطبيعة النظام السياسي الحاكم، وتاريخية الاستبداد الذي وضع المال والسلطة والتاريخ والعنف في جارور الجنرال والحزبي، فإن قراءة أزمة الحاكمية الاقتصادية تحتاج أيضا الى نوع من فك الإشتباك، والى أفق أوسع، ورؤية أوضح، والى معالجات تنطلق من معرفة فقه الحاجة أولا، ومن إدراك أهمية بناء نظام اقتصادي على وفق أسس علمية وتخطيطية ثانيا، وكذلك استشراف تأمين مصادر القدرة لتجاوز عملياتي لكل إشكالات (الواقع الفقير) الذي ارتهن إليه تاريخ اقتصادنا الوطني، والذي سماه البعض بـ(اقتصاد التخلف) و(الاقتصاد الريعي) و(الاقتصاد الأعور) وغيرها، والتي تؤكد في مُجملها على سوء إدارة الحاكمية الاقتصادية على مستوى صناعة النظام الإيجابي أو على مستوى توظيف الثروة واستثمارها وتعظيم مواردها، والى تأمين مصادر للوفرة والرفاهية، وعلى مستوى بناء السوق الاقتصادية والبناء المصرفي وتنويع مصادر الثروة الوطنية من خلال الاقتصاديات المجاورة.
وسط مثل هذه الأزمات القارّة التي واجهتها الملفات الوطنية العراقية وتعقّد مساراتها يبرز الملف الاقتصادي بوصفه ظاهرة غير مسيطر عليها، إذ تعبّر عن جوهر المعطيات والصراعات المعقدة، تلك التي ارتبطت بتاريخ الأزمات السياسية والانقلابات والحروب، مثلما ارتبطت بالشكل الزائف لمهنية الحاكمية الاقتصادية، وفقدانها القدرة على إدارة هذا الملف، وكذلك الطبيعة المشوهة لعلاقته الإشكالية بالحاكمية السياسية ودورها في السيطرة والمركزة. ولعل من أخطر تداعيات هذا التقاطع في التعاطي مع الملف الاقتصادي هو التصدّع الخطير الحادث في البنى الاجتماعية والخدماتية، وفي تعويم الوظيفة الاقتصادية الوطنية، وفي إخضاعها الى مرجعيات السلطة والحزب والعائلة أو الطائفة أو الى سلطة غير مقيدَة للحاكم، فضلا عن طبيعة علاقتها المشبوهة بالبنية الأمنية والعسكرية والتي تحولت خلال عقود الى مجال لاستنزاف الثروة الوطنية وإنهاك ميزانياتها كما حدث خلال الحرب العراقية الإيرانية، وذلك عبر تغطية البناء المتضخم للمؤسسات العسكرية، وتغطية الحاجات الملّحة للتسليح، والعجز عن تغطية المدونيات الضخمة جرّاء هذا الإنفاق العشوائي.
هذه التداعيات تركت فجوات كبيرة في الجسد الاقتصادي، وبات من الصعب إعادة مسار العمليات الاقتصادية دون معالجة ذلك التراكم، وضبط مسار العجز الاقتصادي الآخذ بالزيادة، والذي يتعالق مع تصاعد الأزمات التقليدية التي ترتبط بطبيعة النظام الاقتصادي الريعي النفطي، ومع غياب التنوع في الموارد الاقتصادية، فضلا عن هشاشة المنظومة الاستثمارية الخطيرة في النظام الاقتصادي العراقي بسبب عدم وجود البيئة الآمنة، وعدم وجود التشريعات الكافلة للحراك الاستثماري، مع وجود مظاهر خطيرة للفساد والبيروقراطية المعوقة لتنشيط الفعاليات الاستثمارية.
وكذلك حساسية البعض من السياسيين والدوغمائيين من نظام الاقتصاد الحر ومن خصخصة بعض الحلقات الاقتصادية التي باتت تشكل عبئا ضاغطا على الدولة، لاسيما وأن مايسمى بـ(القطاع العام) ظل قطاعا عائما واستهلاكيا، غير منتج وفاعل وغير مقونن، مع بقائه فضاء مفتوحا للاستنزاف والفساد والعطالة وسوء توظيف الثروة واستثمارها في مشاريع فاعلة وربحية.
هذه المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي تحتاج الى عمليات فحص ومراجعة، لانها تعكس – في الجوهر- محنة العشوائيات التي يعاني منها هذا الملف، وإشتباكه مع ملفات(سيادية) ضاغطة، وقوية مثل ملفات السياسة والأمن والعلاقات الخارجية غير الواضحة، فضلا عن العلاقات الملتبسة في الصلاحيات داخل البيئة السياسية العراقية، وغياب السياقات القانونية والمهنية والإدارية، والتي لها دور عميق في تعويق آليات العمل في الملف الاقتصادي، وفي تعويم الجانب الإستعمالي للاقتصاد الحر وللمحددات القانونية والتسويقية لهذا الاقتصاد، كما هو التعاطي القاصر مع الإصرار على نظام الاقتصاد المركزي بوصفه اقتصادا وطنيا وحمائيا..
إذ نجد إرباكا كبيرا في التخطيط والتنظيم وفي الترسيم المهني، فكثيرا ما تخلو هذه الاقتصادات من التخطيط العملي والمتوازن، وغياب النظرة الواقعية المهنية عن التعاطي مع الإجراءات المتخذة لمعالجة الأزمات، وحتى لتوصيف تعقيداتها بدءا من توصيف الوظيفة الاقتصادية ذاتها وطبيعة العاملين فيها، والنظم الحاكمة فيها، وإنتهاء بطبيعة النظام البنكي والمصرفي الذي يعكس خطورة الأزمة، والذي يحتاج بالضرورة الى سلسلة من الإجراءات التي تعزز إستقلالية البنك العراقي المركزي بوصفه مصدرا للحماية الوطنية للاقتصاد، وللسيطرة على مظاهر التضخم والعجز.
مشكلات العقل الاقتصادي
العراق بلد نفطي، واقتصاديته ترتبط بهذا التوصيف، وبسبب هيمنة الجانب الريعي لهذا الاقتصاد، فإن كل المشكلات ترتبط بأسعار النفط، وبنظام السوق النفطي وبقدرة العراق على تصدير الكميات المناسبة من النفط، فضلا عن أثر السياسات الدولية وتأثيراتها على السوق النفطي، وعلى سياسات الأوبك في تحديد استحقاقات هذا البلد أو ذاك من تصدير كميات نفوطه المستخرجة.
كل هذه المعطيات تحتاج بالضرورة الى وجود (العقل الاقتصادي) الذي يمكنه التعاطي بحرفية مهنية مع أية اختلالات قد تحدث، وفي تأمين وجود البدائل التي من شأنها السيطرة على التداعيات المحتملة.
وهذا ما يجعل الحاجة الى العقل الاقتصادي هي ذاتها الحاجة الى المؤسسة، والى القانون، والى التخصص المهني، والى وجود الستراتيجيات الكافلة لتأطير العمل الاقتصادي وحلقاته المتعددة.
مشكلة الاقتصاد العراقي سياسية ووظيفية وحتى تشريعية، والحاجة السيادية الى إجراءات رادعة تعني الحاجة الى وجود العقل الحاكم والمنظِم، لأنها المدخل العملياتي للتخطيط ولتحديد سياقات العمل، ولمواجهة ظواهر الفساد والتضخم والفشل الدولتي في الادارة، وفي إعادة مأسسة الاقتصاد على اسس قانونية، وذات علاقة مباشرة بالسوق والإنتاج وبتشجيع القطاع الخاص، والسيطرة على الإستيراد العشوائي في كل شيء، فضلا عن إعادة تنظيم البنية الوظائفية المتضخمةجدا، وهشاشة الاقتصاد الاستعمالي/ الاستهلاكي من قبل القطاع العام.. فضلا عن الحاجة للبحث عن مصادر اخرى لتحسين وتوسيع مفردات الثروة الوطنية مثل تنظيم اقتصاد الضرائب، والخدمات السياحية، والثقافية، وتنظيم العلاقات وقوننتها مع منظمات دولية، كذلك تفعيل القوانين المتعلقة بالاستثمار الحقيقي، وإعطاء هذا الملف الكثير من الإستقلالية، وتسنيم مسؤولياته المؤسسية لشخصيات معروفة في مهنتيتها، وممن لها تاريخ مشهود، وبعيدا عن المحاصصة والوجوه التي لا تعرف كيف تبيع البطاطا.
والأخطر في الموضوع يكمن في التنبه الى ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد الاستنزاف) الذي بات يرتبط بالملفات الأمنية والتسليح الدائم، وكذلك بالحروب التي تصطنعها الجماعات الإرهابية، والعديد من الدول الإقليمية والخارجية لتعويم الاقتصاد العراقي وتحويله الى اقتصاد طوارئ واقتصاد مديونيات، والذي تحوّل الى بيئة ضاغطة لصناعة وجوه أخرى للإرهاب والفساد ولغسيل الأموال ولتهريب العملة الصعبة وعلى وفق مخطط إقليمي ودولي، خاصة عبر قصدية التخريب الاقتصادي للجماعات الارهابية، من خلال ضرب البنى التحتية في المدن العراقية، أو عن طريق تهريب النفط والآثار الوطنية المسروقة، وكذلك تأزيم الملف السياسي والأمني ليكون مجالا لتعويق برامج التنمية.
هذه الأزمات تعبير عن سياسات مضطربة، وعن غياب حقيقي للمؤسسات والصناعات الساندة والتكميلية، وعن غياب الدعم والحماية للصناعات الوطنية، والتي يمكنها المساعدة في ضبط أزمات البطالة، وفي التقليل من ضغط الموازنات التشغيلية التي حولت الدولة الى أكبر مستهلك لثروته الوطنية وعدم تحسينها، وهذا ما يفترض العمل وبجدية على وضع ملف الحاكمية الاقتصادية في صُلب الأوليات، لأن انعكاساتها ستكون خطيرة على كل الملفات الأخرى.