Pdf copy 1

سميح صعب
مهما كان شكل الحكومة التركية التي ستنبثق من نتائج الانتخابات التشريعية التي اجريت في 7 حزيران الجاري، فإن المهم هو التبعات التي ستتركها هذه النتائج على سياسات حزب العدالة والتنمية وتحديدا الرئيس رجب طيب اردوغان الذي لم يعد باستطاعته ان يحكم سعيدا من قصره الفخم على مشارف أنقرة، فالنتائج التي اسفرت عنها الانتخابات كانت بمثابة استفتاء على سياسات اردوغان التي يبدو ان الشعب التركي لم يعد راضيا عنها، وترجم ذلك في تجريد الحزب الحاكم من غالبيته المطلقة في مجلس النواب للمرة الاولى منذ عام 2002.    
ببساطة يمكن القول انه كما مثّل وصول حزب العدالة والتنمية مرحلة جديدة في تاريخ تركيا، كذلك يشكل اليوم تجريد الحزب من غالبيته المطلقة في البرلمان مرحلة جديدة لا يمكن لأردوغان ان يتجاهلها وان يعتبر نفسه الرجل الوحيد المفوض من الشعب بأن يقيم ديكتاتورية مقنّعة، وان يغير النظام السياسي من نظام برلماني الى نظام رئاسي يضع كل السلطات بين يدي الرئيس الذي سيكون هو نفسه، ولم يعد في امكانه بعد اليوم ان يدعي امتلاكه التفويض الشعبي ليفعل
 ذلك.   
 انهت الانتخابات شهر العسل لحزب العدالة والتنمية والذي استمر 13 عاما، وبدأت مرحلة الاستفاقة على حقيقة جديدة تتمثل في خريطة سياسية لم يدر في خلد اردوغان المتغطرس انها يمكن ان تتجسد بعدما عمل على مدى 13 عاما على قمع خصومه وشيطنة احزاب المعارضة، والتنكيل بالمؤسسة العسكرية وسجن ضباطها من خلال حياكته لمزاعم شتى عن سعيهم لتدبير انقلاب ضد الحكم الديمقراطي. كما انقلب على حلفائه الذين وصل بفضلهم الى الحكم امثال رجل الدين فتح الله غولن وأقصى اقرب اصدقائه في حزب العدالة والتنمية ولا سيما الرئيس السابق عبدالله غول ولم يسمع نصائحه بأن لا يأخذه الغرور ويتفرد بالحكم ويحوله الى نظام رئاسي، الامر الذي جعل الاتراك يتوجسون خيفة مما يخبئه لهم الرجل. وذهب اردوغان بعيدا في اضطهاد القضاء لأن هناك مدعين عامين تجرؤوا على استدعاء وزراء وشخصيات قريبة منه للتحقيق معهم في قضايا الفساد التي لم ينج نجله منها. ولم يكن نصيب رجال الشرطة اقل نسبة من الاضطهاد لأنهم نفذوا مذكرات جلب بحق من طالتهم الاتهامات  بالفساد. 
ولا حاجة الى ابراز عدم تسامح اردوغان مع الصحافة وزج الصحافيين المعارضين او الذين ينتقدونه في السجون، حتى باتت تركيا البلد الاول التي يقبع في سجونها اكبر عدد من الصحافيين. وذهب اردوغان بعيدا في اسلمة الدولة والغاء الكثير من القوانين العلمانية التي ارسيت مع تأسيس مصطفى كمال اتاتورك الجمهورية التركية عام 1923، فألغى القوانين التي كانت تحظر ارتداء الحجاب في الجامعات ومؤسسات اخرى وصولا الى البرلمان.   
 وماطل اردوغان في حل المسألة الكردية علما انه كان يحصل على اصوات الكرد في كل الانتخابات التي اجريت منذ عام 2002 باستثناء الانتخابات الاخيرة. وبقي زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان في السجن على الرغم من ان الحزب نفذ الشق المتعلق به لجهة الانسحاب من شرق تركيا والالتزام بوقف النار. لكن اردوغان كان يريد في النهاية توسل عملية سياسية من دون نهاية لها بغية الحصول على تأييد الكرد لسعيه نحو النظام الرئاسي، إذ انه يعلم علم اليقين انه لو منحه الكرد هذه المرة اصواتهم، لكان في امكانه ان يحصل على ما يكفي من المقاعد في البرلمان التي تخوله تعديل الدستور باستفتاء شعبي او حتى من دونه.
 لكن الكرد خذلوا اردوغان هذه المرة وفرضوا انفسهم لاعبا قويا على الساحة التركية بحيث لم يعد في استطاعة اردوغان تجاهل مطالبهم.
ولم تكن سياسة اردوغان في الاعوام الاخيرة حيال الخارج اقل صلفا مما كانت عليه في الداخل.
 لقد تراءى للرجل بعد ما سمي “الربيع العربي” ان في امكانه ان يسوق الاسلام السياسي متمثلا بجماعة “الاخوان المسلمين” لحكم مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن، مما ادى الى اغراق بعض هذه الدول في حروب اهلية كما يحصل في سوريا واليمن وليبيا، بينما تعيش مصر حال حرب مع الجماعات التكفيرية ولاسيما تنظيم “داعش” الارهابي في سيناء.    
 وبعدما تلقى المشروع الاخواني صفعة قوية في مصر عبر ازاحته من السلطة بثورة شعبية في 30 حزيران 2013 ، لجأ اردوغان الى اعتماد التنظيمات التكفيرية وسيلة للتغيير في مصر وسوريا على الرغم  من التحذيرات الغربية عموما والاميركية خصوصا، فباتت تركيا هي البوابة الرئيسية لعبور عشرات الآلاف من المقاتلين الاجانب الى سوريا والعراق.
 والكل يذكر كيف اتخذ اردوغان موقف الحياد عندما حاصرت “داعش” مدينة عين العرب (كوباني) ذات الغالبية الكردية في سوريا، وكيف ينظر الآن بعين الحذر الى تقدم وحدات حماية الشعب الكردية في الشريط الحدودي المحاذي للحدود التركية في مدينة تل ابيض التي يسيطر عليها “داعش” وتتقدم الوحدات الكردية لتطرد التنظيم الارهابي منها.  
 وبعدما كانت علاقات تركيا قبل “الربيع العربي” قائمة على نظرية “صفر مشاكل” مع الجوار، باتت الآن “صفر علاقات” مع هذا الجوار، مما انعكس على الوضع الاقتصادي
 للبلاد.   
 ان الانتخابات كانت بمثابة تحذير لأردوغان كي يغير من سياساته في الداخل والخارج، فهل ينصت الى صوت الشعب ام يتمادى في غيه؟. ذلك ما ستكشفه الايام المقبلة. 

التعليقات معطلة